تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
وقد روى الإمام أَبو داود في سننه (¬٢٢٥)؛ حدَّثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي [¬١]، حدَّثنا سفيان بن حبيب، حدَّثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عبَّاس؛ أن رسول الله، ﷺ، جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة.
وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء؛ أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل - كما فعل ببني قريظة - وإن شاء فادى بمال - كما فعل بأسرى بدر - أو بمن أسر من المسلمين - كما فعل رسول الله ﷺ فى تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإِمام الشَّافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه من كتب الفقه.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)
قال محمد بن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل، عن بعض أهله، عن عبد الله ابن عبَّاس ﵄ أن رسول الله، ﷺ، قال يوم بدر: "إني قد عرفت أن أناسًا من بني هاشم وغيرهم، قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا منهم - أي: من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها" فقال أَبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟! والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف! فبلغت رسول الله، ﷺ، فقال لعمر بن الخطاب: "يا أبا حفص" - قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ "أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟ " فقال عمر: يا رسول الله؛ ائذن لي فأضرب عنقه، فوالله لقد نافق. فكان أَبو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما آمن من تلك الكلمة التى قلت، ولا أزال منها خائفًا، إلا أن يكفرها الله عني بشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيدًا ﵁.
وبه، عن ابن عبَّاس قال: لما أمسى رسول الله، ﷺ، يوم بدر،
Juz 7, hlm. 123 ›
والأسارى محبوسون بالوثاق، بات رسول الله، ﷺ، ساهرًا أول الليل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما لك لا تنام؟ - وقد أسر العباسَ رجلٌ من الأنصار - فقال رسول الله ﷺ: سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه. فسكت فنام رسول الله ﷺ.
قال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب، وذلك أنَّه كان رجلًا موسرًا" فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبًا.
وفي صحيح البخاري (¬٢٢٦)، من حديث موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: حدثني أَنس ابن مالك، أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله، ﷺ، فقالوا: ائذَنْ لنا فَلْنترُك لابن أختنا عبَّاس فداءه. قال: "لا، والله لا تَذَرون منه درهمًا".
وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، عن عروة - وعن الزُّهْريّ، عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله، ﷺ، في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله، قد كنت مسلمًا! فقال رسول الله صلى الله [¬١] عليه وسلم: "الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك: نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعَقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث ابن فهر" قال: ما ذاك عندي يا رسول الله" قال: فأين المال الذى دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إن أصبتُ في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبَني: الفضل، وعبد الله، وقُثم؟ قال: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله؛ ما أصبتم مني: عشرين أوقية من مال كان معي؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك. ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه"، وأنزل الله ﷿ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾، قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله، ﷿.
وقد روى ابن إسحاق أيضًا، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عن ابن عبَّاس في هذه الآية بنحو مما تقدم.
Juz 7, hlm. 124 ›
وقال أَبو جعفر بن جرير (¬٢٢٧): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا ابن إدريس [عن ابن إسحاق] [¬١] عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: قال العباس: فيّ نزلت: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، فأخبرت النبي، ﷺ، بإسلامي، وسألته يحاسبنى بالعشرين الأوقية التي أخذ مني، فأبى، فأبدلني الله بها عشرين عبدًا، كلهم تاجر، مالي فى يده.
وقال ابن إسحاق أيضًا (¬٢٢٨): حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، عن جابر ابن عبد الله بن رئاب، قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول: في نزلت - والله - حين ذكرت لرسول الله، ﷺ، إسلامي - ثم ذكر نحو الحديث كالذي قبله.
وقال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبَّاس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾: عبَّاس وأصحابه، قال: قالوا للنبي ﷺ؛ آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا. فأنزل الله: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، إيمانًا وتصديقًا، يخلف لكم خيرًا مما أخذ منكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الشرك الذى كنتم عليه. قال: فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي الدنيا، لقد قال: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، فقد أعطاني خيرًا مما أخذ مني مائة ضعف، وقال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، وأرجو أن يكون غُفر لي.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في الآية: كان العباس أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين قرئت هذه الآية: لقد أعطانا الله ﷿ خَصلتين، ما أحب أن لي بهما الدنيا، إني أسرت يوم بدر فَفَدَيت نفسي بأربعين أوقية، فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرة التى وعدنا الله جل ثناؤه.
وقال قَتَادة في تفسير هذه الآية: ذُكر لنا أن رسول الله، ﷺ، لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفًا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ ساكتًا ولا حرم سائلًا، وما صلى يومئذ حتَّى فرقه، فأمر العباس أن [¬٢] يأخذ منه ويحتثي فأخذ. قال: فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة.
وقال يعقوب بن سفيان (¬٢٢٩): حدَّثنا عمرو بن عاصم، حدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن
Juz 7, hlm. 125 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.