والأسارى محبوسون بالوثاق، بات رسول الله، ﷺ، ساهرًا أول الليل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما لك لا تنام؟ - وقد أسر العباسَ رجلٌ من الأنصار - فقال رسول الله ﷺ: سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه. فسكت فنام رسول الله ﷺ.
قال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب، وذلك أنَّه كان رجلًا موسرًا" فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبًا.
وفي صحيح البخاري (¬٢٢٦)، من حديث موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: حدثني أَنس ابن مالك، أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله، ﷺ، فقالوا: ائذَنْ لنا فَلْنترُك لابن أختنا عبَّاس فداءه. قال: "لا، والله لا تَذَرون منه درهمًا".
وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، عن عروة - وعن الزُّهْريّ، عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله، ﷺ، في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله، قد كنت مسلمًا! فقال رسول الله صلى الله [¬١] عليه وسلم: "الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك: نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعَقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث ابن فهر" قال: ما ذاك عندي يا رسول الله" قال: فأين المال الذى دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إن أصبتُ في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبَني: الفضل، وعبد الله، وقُثم؟ قال: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله؛ ما أصبتم مني: عشرين أوقية من مال كان معي؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك. ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه"، وأنزل الله ﷿ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾، قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله، ﷿.
وقد روى ابن إسحاق أيضًا، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عن ابن عبَّاس في هذه الآية بنحو مما تقدم.