تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
المصدر؛ أي: أخذه أخذ نكال. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله؛ أي: لأجل نكاله. انتهى سمين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (عبرة): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (عبرة). ﴿يَخْشى:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل له.
﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً:﴾ الاستفهام للتوبيخ، والتقريع، والخطاب لكفار قريش، والمعنى: أخلقكم بعد الموت أشد، وأصعب، أم خلق السماء عندكم في تقديركم؟ فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد؛ لأن خلق الإنسان على صغره، وضعفه إذا أضيف إلى خلق السماء مع عظمها، وعظم أحوالها؛ كان يسيرا. فبين الله تعالى: أن خلقها أعظم، وإذا كان كذلك؛ كان خلقكم بعد الموت أهون على الله تعالى، فكيف تنكرون ذلك؟! مع علمكم بأنه خلق السموات، والأرض، ولا تنكرون ذلك؟ قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٥٧]: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ،﴾ وقال في سورة (يس) رقم [٨١]: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وما يشبهها في الآية رقم [٣٣] من سورة (الأحقاف). ﴿بَناها:﴾ رفعها عالية فوقكم محكمة البناء، بلا عمد، ولا أوتاد تحملها. قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢]: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾.
﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ أي: رفع جرم السماء، وأعلى سقفها فوقكم، فجعلها مستوية، لا تفاوت فيها، ولا شقوق، ولا فطور. قال تعالى في سورة (الملك) رقم [٣]: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾. هذا؛ ويقال: سمكت الشيء؛ أي: رفعته في الهواء، وسمك الشيء سموكا:
ارتفع. قال الفرزدق من قصيدة يفخر فيها بقومه على جرير، وقومه-وهو الشاهد رقم [١١٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل]
إنّ الذي سمك السّماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول
وقد نقضها جرير بقصيدة من بحرها مع اختلاف حركة الروي حيث يقول: [الكامل]
أخزى الذي سمك السّماء مجاشعا... وبنى بناءك في الحضيض الأسفل
Juz 10, hlm. 431 ›
قال ابن كثير: أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها﴾ أي: جعله مظلما، غطش الليل، وأغطشه الله، كقولك: ظلم الليل، وأظلمه الله وهي لغة بني أنمار، ويقال: أغطش الليل بنفسه، وأغطشه الله، كما يقال:
أظلم الليل وأظلمه الله، والغطش، والغبش: الظلمة. ورجل أغطش؛ أي: أعمى، أو شبيه به، وقد غطش، والمرأة غطشاء، ويقال: ليلة غطشاء، وليل أغطش، وفلاة غطشى: لا يهتدى لها.
وقال الأعشى: [المتقارب]
ويهماء بالليل غطشى الفلا... ة يؤنسني صوت فيادها
الفياد-بفتح الفاء، وضمها-ذكر البوم. وقال الأعشى أيضا: [المتقارب]
عقرت لهم موهنا ناقتي... وغامرهم مدلهم غطش
يعني بغامرهم: ليلهم؛ لأنه غمرهم بسواده، وأضاف الليل إلى السماء؛ لأن الليل يكون بغروب الشمس، والشمس مضاف إلى السماء، ويقال: نجوم الليل؛ لأن ظهورها بالليل.
﴿وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ أي: أبرز نهارها، وضوءها، وشمسها. وأضاف الضحى إلى السماء كما أضاف إليها الليل؛ لأن فيها سبب الظلام، والضياء، وهو غروب الشمس، وطلوعها، وإنما عبر سبحانه عن النهار بالضحى؛ لأنه أكمل أجزاء النهار في النور، والضوء.
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها:﴾ بسطها. والعرب تقول: دحوت الشيء أدحوه دحوّا: إذا بسطته.
قال أمية بن أبي الصلت؛ الذي آمن شعره، ولم يؤمن لسانه: [الوافر]
وبثّ الخلق فيها إذ دحاها... فهم قطّانها حتّى التّنادي
وقيل: دحاها سواها، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: [المتقارب]
وأسلمت وجهي لمن أسلمت... له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلمّا استوت شدّها... بأيد وأرسى عليها الجبالا
ولا ينافي القول ببسطها القول بكروية الأرض، فإن ذلك مقطوع به حتى قال الإمام الفخر الرازي ما نصه: وكانت الأرض أولا كالكرة المجتمعة، ثم إن الله تعالى مدها، وبسطها، وليس معنى (دحاها) مجرد البسط، بل المراد: أنه بسطها بسطا مهيأ لنبات الأقوات، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ والجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي. انتهى وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (النبأ) عن الآلوسي.
هذا؛ وقد قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ظاهر هذه الآية يقتضي: أن الأرض خلقت بعد السماء بدليل قوله تعالى بعد ذلك، وقد قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١]: ﴿ثُمَّ﴾
Juz 10, hlm. 432 ›
اسْتَوى إِلَى السَّماءِ... إلخ، فكيف الجمع بين الآيتين، وما معناهما؟ قلت: خلق الله الأرض أولا مجتمعة، ثم سمك السماء ثانيا، ثم دحا الأرض بمعنى بسطها، ومدها ثالثا، فحصل بهذا التفسير الجمع بين الآيتين، وزال الإشكال. قال ابن عباس-﵄: خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك. انتهى وانظر آية (فصلت) المذكورة ففيها فوائد جمة. هذا؛ ويقال: دحا، يدحو دحوا، ودحى يدحى دحيا، كقولهم: طغى، يطغى، ويطغو، وطغي، يطغي، ومحا، يمحو، ويمحى، ولحى العود: يلحى، ويلحو، فمن قال: يدحو قال: دحوت، ومن قال: يدحى قال: دحيت.
﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ أي: أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة، وأجرى فيها الأنهار، وأنبت فيها الكلأ، والمرعى مما يأكله الناس، والأنعام. قال القتبي: دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا، ومتاعا للأنام من العشب، والشجر، والحب، والثمر، والعصف، والحطب، واللباس، والنار، والملح؛ لأن النار من العيدان، والملح من الماء، وفي الآية الكريمة استعارة تصريحية، فقد شبه أكل الناس برعي الأنعام، واستعير الرعي للإنسان بجامع أكل الإنسان، والحيوان من النباتات. ففيه استعارة لطيفة، ولا تنس المقابلة بين الآيات.
﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ أي: أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد لتستقر، وتسكن بأهلها. انظر الآية رقم [٢٧] من سورة (المرسلات). ﴿مَتاعاً لَكُمْ﴾ أي: منفعة لكم. ﴿وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ أي: لجميع الحيوانات التي تنتفعون بها مدة احتياجكم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد، وينقضي الأجل. وانظر «التمتع» في سورة (المرسلات) رقم [٤٦] فإنه جيد.
الإعراب: ﴿أَأَنْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتوبيخ وتقريع. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلْقاً:﴾ تمييز. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف، وهي هنا متصلة. ﴿السَّماءُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بَناها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من (السماء) والرابط:
الضمير، وهذا على رأي: من يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿رَفَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿سَمْكَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية تفسير لكيفية البناء، فهي في محل نصب حال مثل سابقتها. وقيل: هي بدل منها، والتي بعدها معطوفة عليها بالفاء العاطفة. ﴿وَأَغْطَشَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أغطش): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله أيضا. ﴿لَيْلَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها أيضا.
Juz 10, hlm. 433 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.