تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
وقال مجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد: ﴿دِهَاقًا﴾: الملأى المترعة. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: هي المتتابعة.
وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾، كقوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾، أي: ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل كلام فيها سالم من النقص.
وقوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾، أي: هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به وأعطاهموه، بفضله ومَنِّه وإحسانه ورحمته، ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾، أي: كافيًا وافرًا شاملًا كثيرًا، تقول العرب: أعطاني فأحسبني، أي: كفاني. ومنه: حسبي الله، أي: الله كافي.
﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾
يخبر تعالى عن عظمته وجلاله، وأنه رب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء.
وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾، أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ﴾.
وقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾: اختلف المفسرون في المراد بالروح ها هنا، ما هو؟ على أقوال:
أحدها: رواه العوفي، عن ابن عباس: أنهم أرواح بني آدم.
الثاني: هم بنو آدم. قاله الحسن وقتادة [] [¬١]: هذا مما كان ابن عباس يكتمه.
الثالث: أنهم خَلق من خَلق الله، على صُوَر بني آدم، وليسوا بملائكة ولا ببشر، وهم يأكلون ويشربون. قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو صالح، والأعمش.
Juz 14, hlm. 235 ›
والرابع: هو جبريل. قاله الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك. ويستشهد لهذا القول بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ وقال مقاتل بن حيان: الروح: أشرف الملائكة، وأقرب إلى الرب ﷿ وصاحب الوحي.
والخامس: أنه القرآن. قاله ابن زيد، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا … ﴾ الآية.
والسادس: أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات؛ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾، قال: هو ملك من أعظم الملائكة خلقا.
وقال ابن جرير (¬١٥): حدثني محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا رَوّاد بن الجراح، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "الروح: في السماء الرابعة هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة، يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة مَلكًا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفًّا وحده". وهذا قول غريب جدًّا.
وقد قال الطبراني (¬١٦): حدثنا محمد بن عبد الله [بن عرس] [¬١] المصري، حدثنا وهب [الله ابن روق بن هُبَيرة، حدثنا بشر بن بكر] [¬٢]، حدثنا الأوزاعي، حدثني عطاء، عن عبد الله بن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لله ملكًا لو قيل له: التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة، لفعل؛ تسبيحه: سبحانك حيث كنت".
وهذا حديث غريب جدًّا، وفي رفعه نظر، وقد يكون موقوفًا على ابن عباس، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات، والله أعلم.
وتَوَقَّفَ ابن جرير فلم يقطَع بواحد [¬٣] من هذه الأقوال كلها، والأشبه -والله أعلم- أنهم بنو آدم.
وقوله: ﴿إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾، كقوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ﴾ كما [¬٤] ثبت في الصحيح: "ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل". وقوله: ﴿وَقَال صَوَابًا﴾، أي: حقًّا، ومن الحق: "لا إله إلا الله"، كما قاله أبو صالح، وعكرمة.
Juz 14, hlm. 236 ›
وقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾، أي: الكائن لا محالة، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ آبًا﴾، أي: مرجعًا وطريقًا يهتدي إليه ومنهجًا يمر به عليه.
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني: يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبًا، لأن كل ما هو آت آت.
﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، أي: يعرض عليه جميع أعماله، خيرها وشرها، قديمها وحديثها، كقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، وكقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾.
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، أي: يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابًا، ولم يكن خُلِقَ، ولا خرج إلى الوجود، وذلك [حين عاين] [¬١] عذابَ الله، ونظر إلى أعماله الفاسدة، قد سُطرت عليه بأيدي الملائكة السفَرة الكرام البَرَرة.
وقيل: إنما ورد ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا، فيفصل بينها بحكمه [¬٢] العدل الذي لا يجور، حتى إنه ليقتص للشاة الجمَّاء من القرناء. فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابًا؛ فتصير ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، أي: كنت حيوانا فأرجع إلى التراب. وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور (¬١٧)، وورد في آثار عن أبي هريرة و [عن] [¬٣] عبد الله بن عمرو وغيرهم.
[آخر تفسير سورة "عم"].
* * *
Juz 14, hlm. 237 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.