تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
«هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وبعضهم يعتبر الجار، والمجرور: (لهم) المذكور، أو المقدر كما هنا في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني، حيث قال: إن الجملة التي يراد لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: «لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنة». ونحو (زعموا: مطيّة الكذب) وقول معاوية بن خليل النصري شاعر إسلامي-وهو الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب-. [الطويل]
وما راعني إلاّ يسير بشرطة... وعهدي به قينا يسير بكير
والجملة الفعلية: ﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَظَنَّ:﴾
الواو: حرف عطف. (ظن): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ما يفهم من المقام، أي: ظن الذي بلغت روحه التراقي. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمه. ﴿الْفِراقُ:﴾ خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّ)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (التفت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿السّاقُ:﴾ فاعل. ﴿بِالسّاقِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بحال من ﴿السّاقُ﴾ الأولى جيد معنى، أي: حالة كون الساق ملتفة بالساق الثانية. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وتعليقه بالمصدر بعده ضعيف؛ لأن المصدر لا يعمل مؤخرا، وقد يجاب بأنه يتوسع في الظرف والجار، والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما؛ و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تلتف الساق بالساق.
﴿الْمَساقُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تدل، أو قائمة مقام جواب ﴿إِذا﴾ التقدير: إذا بلغت الروح الحلقوم تساق إلى حكم ربها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)﴾
الشرح: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى:﴾ يعني أبا جهل الخبيث لم يصدق بالقرآن، ولا بالرسول ﷺ، ولم يصل لله تعالى. وقيل: يرجع هذا إلى الإنسان في أول السورة، وهو اسم جنس. والأولى التعميم لكل من لم يصدق، ولم يصل من الكافرين، والفاجرين، والفاسدين المفسدين؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم إلى يوم القيامة. وقيل: صدق من: التصدق، والمعنى: فلا تصدق بشيء يدخره عند الله. هذا؛ وكررت (لا) في الجملة الثانية؛ لأن المقرر في القواعد النحوية: أن (لا) إذا دخلت على جملة اسمية، ولم تعمل فيها، أو دخلت على فعل ماض؛ وجب
Juz 10, hlm. 327 ›
تكرارها. ذكر ذلك ابن هشام-﵀-في المغني. وانظر الشاهد رقم [٤٤٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وما بعده تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و (لا) هنا بمعنى: لم؛ إذ المعنى لم يصدق، ولم يصل، والعرب تقول: لا ذهب، ولا جاء، أي: لم يذهب، ولم يجئ، فحرف النفي ينفي الماضي، كما ينفي المستقبل، ومنه قول زهير في معلقته رقم [٤٠]: [الطويل]
وكان طوى كشحا على مستكنّة... فلا هو أبداها، ولم يتقدّم
﴿وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي: كذب بالقرآن، وتولى عن الإيمان. هذا؛ والتولي، والإعراض، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور المعنوية، والاعتقادات اتساعا، ومجازا. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أي: يتبختر، ويختال في مشيته افتخارا، وإعجابا بنفسه، من: المطا، وهو الظهر. والمعنى يلوي مطاه تبخترا في مشيته، أصله يتمطّط من تمطّط، أي: تمدد، ومن لازم التبختر ذلك، فهو يقرب من معنى الأول، ويفارقه في مادته؛ إذ مادة الأول (م ط و) ومادة الثاني (م ط ط) وإنما أبدلت الطاء الثالثة ياء كراهة اجتماع الأمثال، ثم قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. والمطيطاء: التبختر، ومد اليدين في المشي، وفي الخبر: «إذا مشت أمّتي المطيطاء، وخدمتهم فارس، والروم كان بأسهم بينهم» والمطيط، والمطيطة: الماء الخاثر في أسفل الحوض؛ لأنه يتمطط، أي: يتمدد، والمطيطاء من المصغرات، التي لم يستعمل لها مكبر.
﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى..﴾. إلخ: تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد، أي: فهو وعيد أربعة لأربعة، كما روي: أنها نزلت في أبي جهل، الجاهل بربه، فقال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي: لا صدق رسول الله، ولا وقف بين يدي الله فصلى، ولكن كذب رسول الله، وتولى عن التصلية بين يديه تعالى، فترك التصديق خصلة، والتكذيب خصلة، وترك الصلاة خصلة، والتولي عن الله تعالى خصلة، فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربعة.
وفي أسباب النزول للسيوطي: وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس-﵄-قال: لما نزل: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل الخبيث: ثكلتكم أمهاتكم يخبركم ابن أبي كبشة: أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟! فأوحى الله إلى رسوله ﷺ أن يأتي أبا جهل، فيقول: ﴿أَوْلى لَكَ..﴾. إلخ.
وأخرج النسائي عن سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: أنه سأل ابن عباس-﵄ عن قوله: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ أشيء قاله رسول الله ﷺ من قبل نفسه، أم أمره الله به؟ قال: بل قاله من قبل نفسه، ثم أنزله الله. انتهى. ولا تنس: أن الله تعالى صرعه شر صرعة، وقتله شر قتلة، وكان النبي ﷺ يقول: «إن لكل أمة فرعونا، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل».
وروي: أن النبي ﷺ خرج من المسجد ذات يوم، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد مما يلي باب بني مخزوم، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، فهزه مرة، أو مرتين، ثم قال له: ﴿أَوْلى لَكَ﴾
Juz 10, hlm. 328 ›
فَأَوْلى فقال أبو جهل الخبيث: أتهددني؟ فو الله إني لأعز أهل الوادي وأكرمه، ونزل على رسول الله ﷺ كما قال لأبي جهل. قال الشاعر: [الوافر]
فأولى ثمّ أولى ثمّ أولى... وهل للدرّ يحلب من مردّ
وقيل: معناه: الويل لك، ومنه قول الخنساء-﵂: [المتقارب]
هممت بنفسي كلّ الهموم... فأولى لنفسي أولى لها
سأحمل نفسي على آلة... فإمّا عليها وإمّا لها
والمعنى للآية الكريمة: الويل لك حيا، والويل لك ميتا، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقال الأصمعي-رحمه الله تعالى-: أولى في كلام العرب معناه: مقاربة الهلاك، كأنه يقول: قد وليت الهلاك، قد دانيت الهلاك. وأصله من الولي، وهو القرب. قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ﴾ أي: يقربون منكم، وقد استحسن ثعلب، والنحاس ما قاله الأصمعي، وأنشد الأصمعي قول الشاعر: [الوافر]
فعادى بين هاديتين منها... وأولى أن يزيد على الثّلاث
هذا؛ وانظر الشاهد رقم [٦٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وما يتعلق به.
الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿صَدَّقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى أبي جهل، أو إلى الإنسان، وهو أولى. انظر الشرح، والمتعلق محذوف. انظر تقديره في الشرح.
والجملة الفعلية معطوفة على قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ..﴾. إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (لا): نافية. ﴿صَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «هو»، والمتعلق محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو:
حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل: «هو».
(تولى): فعل ماض، والفاعل: «هو»، ومتعلق الفعلين محذوف. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿ذَهَبَ:﴾
فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو». ﴿إِلى أَهْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَتَمَطّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿ذَهَبَ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط. ﴿أَوْلى:﴾ فعل ماض، أو اسم فعل ماض. قاله الأصمعي، والمبرد، معناه: قربه ما يهلكه، وفاعله مضمر يدل عليه السياق، كأنه قيل: أولى هو، وقد ارتضى هذا الرأي: ثعلب، فقال: لم يقل أحد في ﴿أَوْلى﴾ أحسن مما قاله الأصمعي، والأكثرون: أنه اسم، وعليه في إعرابه أوجه:
أحدها: أنه مبتدأ، خبره الجار، والمجرور، التقدير: فالهلاك لك. والثاني: خبر مبتدأ مضمر، تقديره: العقاب، أو الهلاك أولى لك. والثالث: أنه مبتدأ، و ﴿لَكَ﴾ متعلقان به، والخبر
Juz 10, hlm. 329 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.