تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
[﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾].
﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ يعني: اتبعوا أغنياءهم وكبراءهم.
وقرئ ﴿وَوَلَدُهُ﴾ بفتحتين، و ﴿وُلْدُهُ﴾ بضم الواو وسكون اللام، وهما بمعنى واحد.
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ الكُبَّار - بالتشديد - أبلغ من الكُبَار - بالتخفيف -، والكُبَار المخفف أبلغ من الكبير.
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: وصَّى بعضهم بعضًا بذلك.
﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ هذه أسماء أصنام كان قوم نوح يعبدونها.
وروي أنها أسماء رجال صالحين كانوا في صدر الدنيا، فلما ماتوا صوّرهم أهل ذلك العصر من حجارة، وقالوا: ننظر إليها لنتذكر أعمالهم، فهلك ذلك الجيل وكثر تعظيم مَنْ بعدهم لتلك الصور، حتى عبدوها من دون الله، ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها - وقيل: بل الأسماء فقط - إلى قبائل من العرب، فكان وُدٌّ لِكَلْبٍ بدُومة الجندل، وكان سواع لهذيل، وكان يغوث لمراد، وكان يعوق لهمَذان، وكان نسر لذي الكلاع من حمير.
وقرئ ﴿وُدًّا﴾ بفتح الواو وضمها، وهما لغتان.
Juz 4, hlm. 502 ›
﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ الضمير للرؤساء من قوم نوح، والمعنى: أضلوا كثيرًا من أتباعهم.
وهذا من كلام نوح ﵇، وكذلك ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ من كلامه، وهو دعاء عليهم.
وقال الزمخشري: إنه معطوف على قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ والتقدير: قال: رب إنهم عصوني، وقال: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ (¬١).
﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ هذا من كلام الله، إخبار عن أمرهم.
و «ما» زائدة للتأكيد.
وإنما قدم هذا المجرور للتأكيد أيضًا؛ ليبين أن إغراقهم وإدخالهم النار إنما كان بسبب خطيئاتهم، وهي الكفر وسائر المعاصي.
﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ يعني: جهنم، وعبَّر عن ذلك بالفعل الماضي؛ لأن الأمر محقَّق.
وقيل: أراد عرضهم على النار، وعبر عنه بالإدخال.
﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ ﴿دَيَّارًا﴾: من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال: ما في الدار دَيَّارٌ؛ أي: ما بها أحد، ووزنه: فَيْعَال، وكان أصله: دَيْوَار، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء. وليس وزنه فَعَّال؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: دوَّار؛ لأنه مشتق من الدَّوْر أو من الدار.
Juz 4, hlm. 503 ›
وروي أن نوحًا ﵇ لم يدع على قومه بهذا الدعاء إلا بعد أن يئس من إيمانهم، وبعد أن أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ يؤخذ من هذا: أن سنة الدعاء أن يقدم الإنسان الدعاء لنفسه على الدعاء لغيره، وكان والدا نوح ﵇ مؤمنين.
قال ابن عباس: لم يكن لنوح أب كافر ما بينه وبين آدم ﵇، واسم والد نوح: لَمَكُ بن مُتَوَشْلِخ وأمه شَمخا بيت أنوش، حكاه الزمخشري (¬١).
﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قيل: بيته: المسجد.
وقيل: السفينة.
وقيل: شريعته، سماها بيتًا استعارة، وهذا بعيد.
وقيل: داره، وهذا أرجح؛ لأنه الحقيقة.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هذا دعاء بالمغفرة لكل مؤمن ومؤمنة على العموم، وفيه دليل على جواز ذلك، خلافًا لمن قال من المتأخرين أنه لا يجوز الدعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين على العموم، وهذا خطأ وتضييق لرحمة الله الواسعة.
قال بعض العلماء: إن الإله الذي استجاب لنوح ﵇، فأغرق بدعوته جميع أهل الأرض الكفار، حقيق أن يستجيب له فيرحم بدعوته جميع المؤمنين والمؤمنات.
﴿تَبَارًا﴾ أي: هلاكًا.
Juz 4, hlm. 504 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.