تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾
قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على فرجها النِّسعة أو الشيء وتقول:
اليَوْم يَبدُو بَعْضُهُ أَوُ كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
فأنزل الله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ الآية.
قلت: كانت العرب ما عدا قريشًا [¬١] لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش وهم الحمس يطوفون في ثيابهم، فمن [¬٢] أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه، فلا يتملكه أحد، فمن لم يجد ثوبًا جديدًا ولا أعاره أحمسي ثوبًا طاف عرياناً، وربما كانت امرأة فتطوف [¬٣] عريانة، فتجعل على فرجها شيئًا ليستره بعض الشيء، وتقول:
اليَوْمَ يَبدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
وأكثر ما كان النساء بين عراة بالليل، وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ فقال تعالى ردًّا عليهم: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمَّد لمن ادعى ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك، ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والاستقامة ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: أمركم بالاستقامة [¬٤] في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيِّدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنَّه تعالى لا يتقبل العمل حتَّى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك.
Juz 6, hlm. 281 ›
وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الضَّلَالَةَ﴾ اختلف في معنى قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.
فقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: يحييكم بعد موتكم.
وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدُّنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.
وقال قتادة: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئاً، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولاً كذلك يعيدكم آخرًا.
واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير (¬٤٤)، وأيده بما رواه: من حديث سفيان الثوري وشعبة ابن الحجاج كلاهما، عن المغيرة بن النُّعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: "يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ".
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين: من حديث شعبة، وفي صحيح [¬١] البُخاريّ أيضاً: من حديث الثوري به.
[وقال وقاء [¬٢] بن إياس أبو يزيد: عن مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال: يبعث المسلم مسلماً، والكافر كافراً.
وقال أبو العالية ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: ردّوا إلى علمه فيهم] [¬٣].
Juz 6, hlm. 282 ›
وقال سعيد بن جبير: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: كما كتب عليكم تكونون. وفي رواية: كما كنتم تكونون عليه تكونون.
وقال محمَّد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إليَّ [ما ابتدئ عليه خلقه] [¬١]، وإن عمل بأعمال أهل السعادة [كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه] [¬٢]، ومن ابتدأً خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه، وإن [¬٣] عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملوا [¬٤] بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدئوا [¬٥] عليه.
وقال السدي: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى [وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ يقول: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾] [¬٦]: كما خلقناكم [¬٧] طريق مهتدون، وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.
وقال على بن أبي طلحة (¬٤٥)، عن ابن عباس قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافرًا؛ كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمنًا وكافرًا.
قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البُخاريّ (¬٤٦): " فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنَّة حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنَّة فيدخل الجنة".
وقال أبو القاسم البغوي (¬٤٧): حدّثنا على بن الجعد، حدّثنا أبو غسان [¬٨]، عن أبي حازم، عن
Juz 6, hlm. 283 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.