تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ قال الجلال: الخطاب لبني آدم. وقال الخازن: للناس، وقال الجمل: لأهل مكة، والكل محتمل هنا، ولكن الأخير أليق بالمقام. والتمكين: التمليك.
قال البيضاوي: أي: مكناكم من سكناها، وزرعها، والتصرف فيها. ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ:﴾
أسبابا تعيشون فيها، وقرئ شاذّا: «(معائش)» كصحائف، وهو ليس مثله؛ لأن المد في: «صحيفة» زائد، وفي: «معيشة» أصلي؛ لأن أصلها: معيشة، كمكرمة، أو: معيشه، كمنزلة، أو: معيشة، كمتربة، فالياء أصلية على كل حال. هذا؛ والمعيش، والمعيشة: مكسب الإنسان الذي يعيش به. وفي القاموس: العيش الحياة، والعيش أيضا: الطعام، وما يعاش به. انتهى جمل بتصرف كبير. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ فهو تأكيد لقلة الشكر، الذي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ و «شكر» يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب هذا القسم. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَكَّنّاكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (جعلنا): فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، التي هي ضمير متصل في محل رفع فاعل. هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذا، والإعراب الأصلي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة. وقل مثله في إعراب: جعلت، وجعلن. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب ﴿مَعايِشَ،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وهذا أولى من التعليق بالفعل. ﴿مَعايِشَ:﴾ مفعول به ثان، والمفعول الأول: ﴿لَكُمْ﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة قبلها لا محل لها مثلها. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣] لإعراب هذه الجملة، ومحلها، ففيها الكفاية.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (١١)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه.
نزّل خلقه، وتصويره منزلة خلق الكل، وتصويره. انتهى بيضاوي. وقال أبو السعود: وإنما نسب
Juz 3, hlm. 458 ›
الخلق، والتصوير إلى المخاطبين مع أن المراد خلق آدم، وتصويره، إعطاء لمقام الامتنان حقه، وتأكيدا لوجوب الشكر عليهم بالرمز إلى أن لهم حظّا من خلقه، وتصويره؛ لأنهما، من الأمور السارية إلى ذريته جميعا. وقال القاري: نزل خلقه، وتصويره منزلة خلق الكل، وتصويرهم؛ لأنه أبو البشر. انتهى جمل. وقال بعضهم: المخاطب بنو آدم، والمراد بهم أبوهم، وهذا من باب الخطاب لشخص، والمراد به غيره، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ وإنما المنجي، والذي كان يسام سوء العذاب أسلافهم، وهذا مستفيض في لسانهم. انتهى جمل.
وانظر (نا) في الآية رقم [٧].
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهملة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (رب) و (لا) العاملة عمل «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح.
هذا؛ و «ثم» هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى:
﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به الكاف، وقد يتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة. ﴿قُلْنا:﴾ أصله: قولنا، فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف، واللام، فحذفت الألف، فصار (قلنا) بفتح القاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: ﴿قُلْنا﴾. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول، أصل الفعل: قول، فلما اتصل به ضمير رفع متحرك، نقل إلى باب: فعل، فصار: (قولت) ثم نقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: (قولت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة، ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائهما ساكنين، فصار: (قلت) وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: «كان» و «قام» وغيرهما.
﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ الملائكة: أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، ويقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار.
﴿لِآدَمَ:﴾ اسم علم أعجمي، مشتق من الأدمة، بمعنى: الأسوة، أو من أديم الأرض، أي: من وجهها، وترابها، أو من الأدمة بمعنى: الألفة، وأصله: أأدم بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في: «إيمان» فإن أصله: إئمان، وكما قلبت في «أومن» فإن أصله: أأمن.
﴿إِبْلِيسَ:﴾ اسم مأخوذ من: أبلس، يبلس إبلاسا، بمعنى: سكت غمّا، وأيس من رحمة الله وخاب، وخسر. وهو من الملائكة. كذا قال علي، وابن عباس، وابن مسعود، رضي الله عنهم
Juz 3, hlm. 459 ›
أجمعين، ولأن الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، وقوله تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: صار من الجن، كقوله تعالى: ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ أي: صار من المغرقين. وقيل:
الاستثناء منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة، بل كان من الجن بالنص. وهو قول الحسن، وقتادة، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأنه أبى، وعصى، واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يستكبرون عن عبادته، ولأنه قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾ ولا نسل للملائكة. وعن الجاحظ: إن الجن، والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم؛ فهو ملك، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، ومن كان بين بين؛ فهو جني.
هذا؛ والسجود في الأصل: تذلل مع تطامن، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة. والمأمور به إما المعنى الشرعي، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم، تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة، والصلاة لله، فمعنى: «اسجدوا له» أي: إليه، وأما المعنى اللغوي، وهو التواضع لآدم تحية، وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ فلم يكن فيه وضع الجبهة على الأرض، إنما كان بالانحناء، فلما جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسلام.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ:﴾ انظر إعراب مثله في الآية السابقة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.
﴿صَوَّرْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو. ويقال: منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضمة لمناسبة واو الجماعة. وقل مثله في قولك: (احفظا واسجدا) والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك (احفظي، واسجدي) والمانع من ظهور السكون الكسر الذي جيء به لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة. ﴿لِآدَمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَسَجَدُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿إِلاّ:﴾
أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى، وهل هو متصل، أو منقطع فيه خلاف، كما رأيت في الشرح.
﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو». ﴿مِنَ السّاجِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿لَمْ يَكُنْ..﴾.
Juz 3, hlm. 460 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.