﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ قال الجلال: الخطاب لبني آدم. وقال الخازن: للناس، وقال الجمل: لأهل مكة، والكل محتمل هنا، ولكن الأخير أليق بالمقام. والتمكين: التمليك.
قال البيضاوي: أي: مكناكم من سكناها، وزرعها، والتصرف فيها. ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ:﴾
أسبابا تعيشون فيها، وقرئ شاذّا: «(معائش)» كصحائف، وهو ليس مثله؛ لأن المد في: «صحيفة» زائد، وفي: «معيشة» أصلي؛ لأن أصلها: معيشة، كمكرمة، أو: معيشه، كمنزلة، أو: معيشة، كمتربة، فالياء أصلية على كل حال. هذا؛ والمعيش، والمعيشة: مكسب الإنسان الذي يعيش به. وفي القاموس: العيش الحياة، والعيش أيضا: الطعام، وما يعاش به. انتهى جمل بتصرف كبير. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ فهو تأكيد لقلة الشكر، الذي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ و «شكر» يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب هذا القسم. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَكَّنّاكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (جعلنا): فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، التي هي ضمير متصل في محل رفع فاعل. هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذا، والإعراب الأصلي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة. وقل مثله في إعراب: جعلت، وجعلن. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب ﴿مَعايِشَ،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وهذا أولى من التعليق بالفعل. ﴿مَعايِشَ:﴾ مفعول به ثان، والمفعول الأول: ﴿لَكُمْ﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة قبلها لا محل لها مثلها. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣] لإعراب هذه الجملة، ومحلها، ففيها الكفاية.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (١١)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه.
نزّل خلقه، وتصويره منزلة خلق الكل، وتصويره. انتهى بيضاوي. وقال أبو السعود: وإنما نسب