تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة؛ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: "إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق … " تفرد به.
وقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾، أي: فستعلم يا محمد، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم، وهذه كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾، وكقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ستعلم ويعلمون يوم القيامة.
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: الجنون وكذا قال مجاهد، وغيره.
وقال قتادة وغره: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: أولى بالشيطان.
ومعنى المفتون ظاهر، أي: الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه، وإنما دخلت الباء في قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ لتدل على تضمين الفعل في قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، وتقديره فستعلم ويعلمون، أو [¬١]: فستُخْبَر ويُخْبَرون بأيكم المفتون، واللَّه أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق.
﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾
يقول تعالى: كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم، ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون، وقال مجاهد: ودوا لو تركن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحق.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾، وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجتريء بها على أسماء اللَّه تعالى، واستعمالها في كل وقت في غير محلها.
قال ابن عباس: المهين: الكاذب. وقال مجاهد: هو الضعيف القلب. و [¬٢] قال الحسن:
Juz 14, hlm. 88 ›
كل حلاف مكابر مهين ضعيف. وقوله: ﴿هَمَّازٍ﴾. قال ابن عباس وقتادة: يعني الاغتياب.
﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، يعني: الذي يمشي بين الناس، ويحرش بينهم، وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي الحالقة، وقد ثبت في الصحيحين (¬٢٣) من حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: مر رسول اللَّه ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر [¬١] من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم، من طرق عن مجاهد به.
وقال أحمد (¬٢٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن هَمام، أن حُذيفة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قَتّات". رواه الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن إبراهيم [¬٢] به.
وحدثنا عبد الرزاق (¬٢٥)، حدثنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتات". يعني نمامًا.
وحدثنا يحيى بن سعيد القطان (¬٢٦) - أبو سعيد الأحول- عن الأعمش، حدثني إبراهيم منذ نحو ستين سنة، عن همام بن الحارث [¬٣] قال: مر رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء. فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول -أو: قال:
Juz 14, hlm. 89 ›
قال رسول اللَّه ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات".
وقال أحمد (¬٢٧): حدثنا هاشم [¬١]، حدثنا مهدي، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل؛ قال: بلغ حذيفة عن رجل أنه ينم الحديث، فقال سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يدخل الجنة نمام".
وقال الإِمام أحمد (¬٢٨): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن؛ أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخياركم؟ ". قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال [¬٢]: "الذين إذا رُءُوا ذُكرَ اللَّه ﷿". ثم قال: "ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العَنَت".
ورواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد، عن يحيى بن سليم، عن ابن خثيم به.
وقال الإِمام أحمد (¬٢٩): حدثنا سفيان، عن ابن أبي حُسَين، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم - يبلغ به النبي ﷺ: "خيار عباد اللَّه الذين إذا رُءُوا ذكر اللَّه، وشرار عباد اللَّه المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت".
وقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي: يمنع ما عليه وما لديه من الخير، ﴿مُعْتَدٍ﴾ في تناول ما أحل اللَّه له [¬٣]، يتجاوز فيها الحد المشروع ﴿أَثِيمٍ﴾، أي يتناول المحرمات.
وقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أما العتل فهو: الفظ الغليظ الصحيح، الجموع المنوع.
قال الإِمام أحمد (¬٣٠): حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن مَعْبَد بن خالد، عن حارثة [¬٤] بن وهب؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ألا أنبئكم بأهل الجنة؟
Juz 14, hlm. 90 ›
Pembahasan ayat ini masih 4 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.