التفسير الوسيط - مجمع البحوث
· مجموعة من المؤلفين
٧ - وأَمرت السورة الكريمة بالتقوى جهد الطاقة، والبذل في سبيل الله إِذ أَنه وقاية من الشح والحرص: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾
المفردات:
(يُسَبِّحُ): يقدس وينزه.
(وَصَوَّرَكُمْ): وخلقكم وبرأكم على صور وهيئات شتى يتميز بها كل واحد عن سواه.
(الْمَصِيرُ): المرجع والمآل.
(ذَاتِ الصُّدُورِ): ما انطوى واستتر فيها.
التفسير
١ - ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾:
أَي: ينزه الله تعالى - ويقدسه كل مخلوقاته عمَّا لا يليق به من كل نقص لا يتفق
Juz 10, hlm. 1440 ›
وجلاله تنزيهًا مستمرًّا يتجدد كلما نظروا في بديع صنعه وعظيم فعله، وله لا لغيره - جلت قدرته - الملك قديمًا بلا ابتداء وأَبدًا بلا انتهاء فهو - سبحانه - المبدئ لكل شيء القائم به المهيمن عليه، أَما ملك غير فهو حادث وطاريء ومنتقل لا يدوم وهو في الحقيقة عطاءُ الله وفضله وتسليط منه واستخلاف.
وهو - تعالت عظمته - وحده المستحق للحمد؛ لأَنه هو المعطي لأُصول النعم وفروعها، أَما حمد غيره - تبارك ربنا وتعالى - فلجريان إِنعامه على يديه، وهو - سبحانه - قدير مقتدر على كل شيء دق أَو عظم فليس بعض الأمور أَيسر عليه من غيره؛ فالكل في قبضته ووفق إِرادته لا يعجزه أَمر عن أَمر ولا يشغله شأن عن شأن.
والتسبيح والتقديس يكون بهيآت المخلوقات وأَشكالها البديعة التي تدل على كمال تصويره وعظيم خلقه - سبحانه - أَو بلسانهم ونطقهم: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (¬١).
٢ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾:
هذا بيان لبعض آثار قدرته الشاملة الغامرة، أَي: هو الذي أَوجدكم كما شاءَ على فطرة سليمة وطريقة سوية مستقيمة يشير إِلى ذلك قوله ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة فأَبواه يهودانه أَو ينصرانه أَو يمجسانه).
(فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) أَي: فبعضكم مختار للكفر بالله وبنعمة ومقبل على الإِلحاد راض به وذلك يكون منه انتقاضا وخروجا وتمردا على الفطرة التي فطره الله عليها، وبعضكم مختار للإِيمان به - سبحانه - ينشرح به صدره ويطمئن قلبه وهذا من المؤمن استجابة لفطرة الله وخلقته وإِذعانا لمشيئته.
وفي الحق إِن كلًّا من كفر الكافر وإِيمان المؤمن بإِرادته - جل شأنه - فلا مكره له إِذ هو الخالق والموجد لكل شيءٍ، وقال تعالى: (ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
Juz 10, hlm. 1441 ›
فَاعْبُدُوهُ) (¬١) ولكونه - جلت قدرته - عليمًا بما خلق فقد كتب على كلٍّ ما تختار، وتميل إِليه نفسه إِذ هو أَحكم الحاكمين (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (¬٢) فلا يكره أَحدًا على أَمر ويعاقبه عليه (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أَي: وهو - سبحانه - بأَعمال خلقه عليم علمًا تامًّا محيطًا لا يعتريه قصور ولا تشوبه شائبة من نقص؛ بل يجازي كلًّا بما يناسب ما قدّم في دنياه إِن خيرًا فخير وإِن شرًا فشر، وقدم الكافر على المؤمن لكثرة الكافرين وقلة المؤمنين قال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (¬٣).
٣ - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾:
أَي: أَوجد السموات والأَرض جميعا بما فيهن ما ظهر لنا وبدا وما بطن وخفي، خلقها بالحكمة العظيمة والغرض الصحيح المتضمن للمصالح الدينية والدنيوية.
(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) أَي: برأَكم وأَخراجكم في أَحسن تقويم وأَجمل تركيب وشكلكم على صور شتى يتميز بها كل مخلوق عمن سواه، وأودع فيكم القوى والقدر والمشاعر الظاهرة والباطنة التي تتعلق وتناط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة، وزينكم بخلال وصفات جميل مصنوعاته، وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته، وجعلكم أَنموذج جميع مخلوقاته في هذه النشأة، [وقد ذكر بعض المحققين: أَن الإِنسان جامع بين العالم العلوي والسفلي وذلك لروحه التي هي من عالم المجردات، وبدنه الذي هو من عالم الماديات].
وخص بعضهم الصورة بالشكل المدرك بالعين فكل ما يشاهد من الصور الإِنسانية حسن، ولكنَّ الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب.
فلا نحطاط بعضها ونزوله عن مراتبٍ ما فوقها انحاطًا بينًا، وإِضافتها إِلى الموفي عليها
Juz 10, hlm. 1442 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.