تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
سورة المنافقون
بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (المنافقون) مدنية في قول الجميع، وهي إحدى عشرة آية، ومئة وثمانون كلمة، وتسعمئة وستة وسبعون حرفا. انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١)﴾
الشرح: قال ابن إسحاق وغيره من أصحاب السير: إن رسول الله ﷺ لما غزا بني المصطلق، وازدحم الناس على الماء؛ اقتتل رجلان: أحدهما: جهجاه بن أسيد من المهاجرين، وكان أجيرا لعمر-﵁. والثاني من الأنصار، اسمه: سنان الجهني، وكان حليفا لعبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، فلما اقتتلا؛ صاح جهجاه: يا للمهاجرين، وصاح سنان:
يا للأنصار! فقام رجل من فقراء المهاجرين، ولطم سنانا، فقال عبد الله بن أبي-أخزاه الله-: ما صحبنا محمدا إلا لتلطم وجوهنا! والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل! ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم؟! قد أنزلتموهم بلادكم، وقاسمتموهم في أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم فضل الطعام؛ لتحولوا من عندكم، فلا تنفقوا عليهم؛ حتى ينفضوا من حول محمد!.
فسمع ذلك زيد بن أرقم-﵁-فبلغه لرسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ لعبد الله:
«أنت صاحب الكلام الذي بلغني عنك؟». فحلف: أنه ما قال شيئا، وأنكر. فهو قوله تعالى:
﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾. انتهى. جمل. وهو في الترمذي.
وروى البخاري عن زيد بن أرقم-﵁-قال: كنت مع عمي، فسمعت عبد الله بن أبيّ بن سلول يقول: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ..﴾. إلخ. وقال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ..﴾. إلخ فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمي لرسول الله ﷺ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبيّ، وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله ﷺ وكذّبني، فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في بيتي، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا﴾
Juz 9, hlm. 712 ›
﴿تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ..﴾. إلخ قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فأرسل إليّ رسول الله ﷺ، ثم قال: «إن الله قد صدقك». خرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى. قرطبي.
أقول: ما أشبه هذه الحادثة بما ذكرته في سورة (التوبة) رقم [٧٤] وهي قوله تعالى:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾. هذا؛ وروي: أن عمر-﵁-قال للنبي ﷺ: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله! فقال: «إذا ترعد أنف كثيرة بيثرب». قال:
فإن كرهت أن يقتله مهاجر فاؤمر به أنصاريا يقتله. قال: «فكيف إذا تحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه؟».
وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا؛ فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ: «بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا».
وفي رواية للترمذي، ومثله في سيرة ابن إسحاق: وكان عبد الله بن أبيّ يقرب من المدينة، فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله؛ حتى أناخ راحلته على مجامع طرق المدينة، فلما جاء عبد الله بن أبيّ. قال له ابنه: وراءك. قال: ويلك! مالك؟ قال: والله لا تدخلها أبدا إلا أن يأذن رسول الله ﷺ، ولتعلمنّ اليوم من الأعز من الأذل. فشكا عبد الله بن أبيّ إلى رسول الله ﷺ ما صنع ابنه عبد الله-﵁-وأرضاه، فأرسل رسول الله ﷺ إليه: أن «خلّ عنه يدخل».
فقال الابن-﵁: أما إذ جاء أمر رسول الله ﷺ؛ فنعم. فدخل.
وقال الحميدي في مسنده قال الابن لأبيه: والله لا تدخل المدينة حتى تقول: رسول الله ﷺ الأعز، وأنا الأذل. انتهى. أقول: وهذا هو الإيمان! وانظر ما ذكرته في آخر سورة (المجادلة)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ أي: حضر مجلسك المنافقون، كعبد الله بن أبيّ وأصحابه. ﴿قالُوا﴾ أي: بألسنتهم على خلاف ما في قلوبهم. ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ:﴾ أرادوا شهادة وافقت فيها قلوبهم ألسنتهم. قال القرطبي قيل: معنى (نشهد): نحلف، فعبر عن الحلف بالشهادة؛ لأن كل واحد من الحلف، والشهادة إثبات لأمر مغيب. ومنه قول قيس بن ذريح: [الطويل] وأشهد عند الله أنّي أحبّها... فهذا لها عندي فما عندها ليا؟
ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على ظاهره: أنهم يشهدون: أن محمدا رسول الله ﷺ، اعترافا بالإيمان، ونفيا للنفاق عن أنفسهم. وهو الأشبه. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أي: هو
Juz 9, hlm. 713 ›
الذي أرسلك، فهو عالم بك. ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ:﴾ يعني في قولهم: نشهد أنك لرسول الله؛ لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا، وذلك؛ لأن حقيقة الإيمان أن يواطئ اللسان القلب، وكذلك الكلام، فمن أخبر عن شيء، واعتقد خلافه، أو أضمر خلاف ما أظهر؛ فهو كاذب، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم: نشهد أنك لرسول الله، وسماه كذبا؛ لأن قولهم خالف اعتقادهم. هذا؛ ويشبه هذا قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٥٦]: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾. وقال أحمد محشي الكشاف: ومثل هذا من نمطه المليح قوله تعالى: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾ الاية رقم [١٤] من سورة (الحجرات).
هذا؛ وقد سجل القرآن على المنافقين قبيح صنعهم، وخبيث نياتهم؛ حيث وصفهم بأنهم مطبوعون على الكذب، وبين ذلك النبي ﷺ في أحاديثه الصحيحة: فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان». رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلّى، وصام، وزعم أنه مسلم». ورواه أبو يعلى من حديث أنس-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلّى، وحجّ واعتمر، وقال: إني مسلم». وعن عبد الله ابن عمرو بن العاص-﵁-أن النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاري، ومسلم.
وهذا الكلام من النبي ﷺ على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال؛ شفقة أن تفضي بهم إلى النفاق، وليس المعنى: أن من بدرت منه هذه الخصال من غير اختيار، واعتياد: أنه منافق، ولا بد من القول: إن النفاق على نوعين: نفاق العمل، وهو أن يتصف مسلم بتلك الصفات الذميمة، أو ببعضها، وهو يصوم، ويصلي، ويحج... إلخ، ونفاق العقيدة: وهو أن يظهر الإسلام، ويضمر الكفر، ويتصف بتلك الصفات الذميمة، وقلما تفارقه؛ لأنه مطبوع عليها، وهي ديدنه. وليحذر المسلم من نفاق العمل، فإنه يجر إلى نفاق العقيدة، ونفاق العقيدة أخبث من الكفر. قال تعالى في سورة (النساء): ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾. هذا؛ وسمي المنافق منافقا أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو حجره الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما، ويخرج من الاخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفار بقوله: أنا معكم.
وينبغي أن تعلم: أن النفاق لم يكن في مكة، وإنما كان بها الكفر، ولم يظهر النفاق إلا بالمدينة المنورة، حين عز الإسلام، وكثر أنصاره، وسببه: أن أهل المدينة حينما اصطلحوا بعد
Juz 9, hlm. 714 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.