Lewati ke konten

QS. Al-Mumtahanah: 3 الممتحنة

لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٣﴾

Tafsir

Kitab tafsir lain (29)

فتح القدير للشوكاني · الشوكاني

وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ مُشَدَّدَةً. وَقَرَأَ عَلْقَمَةُ بِالنُّونِ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَأَبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الصاد مخففة.

وقد أخرج البخاري ومسلم وغير هما عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرُ وَالْمِقْدَادُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ «١» فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً «٢» مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَأْتُونِي بِهِ، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، قَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْنَا: لِتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لِتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:

مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟ قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قُرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَصْطَنِعَ إِلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:

صَدَقَ، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ونزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ مُسْنَدَةٌ وَمُرْسَلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيَانِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ «٣» نازلة في ذلك.

[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٤ الى ٩]

قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)

إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)

لَمَّا فَرَغَ سُبْحَانَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْمُشْرِكِينَ، وَالذَّمِّ لِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ، ضَرَبَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمَ مَثَلًا حين

Juz 5, hlm. 252 ›

تَبَرَّأَ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، أَيْ: خَصْلَةٌ حَمِيدَةٌ تَقْتَدُونَ بِهَا، يُقَالُ: لِي بِهِ أُسْوَةٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ، أَيِ: اقْتِدَاءٌ، فَأَرْشَدَهُمْ سُبْحَانَهُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ إِلَّا فِي اسْتِغْفَارِهِ لِأَبِيهِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ إِسْوَةٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِضَمِّهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، وَأَصْلُ الْأُسْوَةِ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ: الْقُدْوَةُ، وَيُقَالُ:

هُوَ أُسْوَتُكَ، أَيْ: مِثْلُكَ وَأَنْتَ مِثْلُهُ، وَقَوْلُهُ: «فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ» مُتَعَلِّقٌ بِأُسْوَةٍ، أَوْ بِحَسَنَةٍ، أَوْ هُوَ نَعْتٌ لِأُسْوَةٍ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي «حَسَنَةٍ» ، أَوْ خبر كان، «ولكم» لِلْبَيَانِ، «وَالَّذِينَ مَعَهُ» هُمْ أَصْحَابُهُ الْمُؤْمِنُونَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: يَقُولُ أَفَلَا تَأَسَّيْتَ يَا حَاطِبُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَتَتَبَرَّأَ مِنْ أَهْلِكَ كَمَا تَبْرَّأَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ؟! وَالظَّرْفُ فِي قَوْلِهِ: إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ هُوَ خَبَرُ كَانَ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أَيْ: وَقْتَ قولهم لقومهم الكفار إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ جَمْعُ بَرِيءٍ، مِثْلُ: شُرَكَاءَ وَشَرِيكٍ، وَظُرَفَاءَ وظريف. قرأ الجمهور: بُرَآؤُا بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَأَلِفٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، ككرماء في كريم. وقرأ عيسى ابن عُمَرَ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ أَلِفٍ، كَكِرَامٍ فِي جَمْعِ كَرِيمٍ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الْبَاءِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ أَلِفٍ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهِيَ الْأَصْنَامُ كَفَرْنا بِكُمْ أَيْ: بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ، أَوْ بِدِينِكُمْ، أَوْ بِأَفْعَالِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً أَيْ: هَذَا دَأْبُنَا مَعَكُمْ مَا دُمْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَتَتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ صَارَتْ تِلْكَ الْعَدَاوَةُ مُوَالَاةً وَالْبَغْضَاءُ مَحَبَّةً إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ مِنْ قَوْلِهِ «فِي إِبْراهِيمَ» بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ لِيَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، أَيْ: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي مَقَالَاتِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا قَوْلَهُ لِأَبِيهِ، أَوْ مِنْ «أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» ، وَصَحَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْلَ مِنْ جُمْلَةِ الْأُسْوَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: قَدْ كَانَتْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ إِلَّا قَوْلَهُ لِأَبِيهِ، أَوْ مِنَ التَّبَرِّي وَالْقَطِيعَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، أَيْ: لَمْ يُوَاصِلْهُ إِلَّا قَوْلَهُ، ذَكَرَ هَذَا ابْنُ عَطِيَّةَ، أَوْ هُوَ مُنْقَطِعٌ، أَيْ: لَكِنْ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، فَلَا تَأْتَسُوا بِهِ، فَتَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُ كَانَ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْهُ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْقَوْلِ الْمُسْتَثْنَى، يَعْنِي مَا أُغْنِي عَنْكَ، وَمَا أَدْفَعُ عَنْكَ، مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ «لَأَسْتَغْفِرَنَّ» ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ لَا إِلَى هَذَا الْقَيْدِ، فَإِنَّهُ إِظْهَارٌ لِلْعَجْزِ وَتَفْوِيضٌ لِلْأَمْرِ إِلَى اللَّهِ، وَذَلِكَ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ. رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ هَذَا مِنْ دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِهِ وَمِمَّا فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يُقْتَدَى بِهِ فِيهَا، وَقِيلَ: هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا هَذَا الْقَوْلَ، وَالتَّوَكُّلُ: هُوَ تَفْوِيضُ الْأُمُورِ إِلَى اللَّهِ، وَالْإِنَابَةُ: الرُّجُوعُ، وَالْمَصِيرُ: الْمَرْجِعُ، وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لِقَصْرِ التَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالْمَصِيرِ عَلَى اللَّهِ رَبَّنا لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا قَالَ الزَّجَّاجُ: لَا تُظْهِرْهُمْ عَلَيْنَا فَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ فَيُفْتَنُوا بِذَلِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِيهِمْ وَلَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ، فَيَقُولُوا: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ عَلَى حَقٍّ مَا أَصَابَهُمْ هَذَا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أَيِ: الْغَالِبُ الَّذِي لَا يُغَالَبُ الْحَكِيمُ ذُو الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أَيْ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ،

Juz 5, hlm. 253 ›

وَكَرَّرَ هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا نزل بعد الأوّل بمدّة لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ «لَكُمْ» بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كَلِّ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ الْأُسْوَةَ إِنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ يَخَافُ اللَّهَ وَيَخَافُ عِقَابَ الْآخِرَةِ، أَوْ يَطْمَعُ فِي الْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أَيْ:

يُعْرِضُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ خَلْقِهِ، الْحَمِيدُ إِلَى أَوْلِيَائِهِ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْلِمُوا فَيَصِيرُوا مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ، وَقَدْ أَسْلَمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، وَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ مَوَدَّةٌ، وَجَاهَدُوا، وَفَعَلُوا الْأَفْعَالَ الْمُقَرِّبَةَ إِلَى اللَّهِ، وَقِيلَ:

الْمُرَادُ بِالْمَوَدَّةِ هُنَا تَزْوِيجُ النَّبِيِّ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ. وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا صَارَ سَبَبًا إِلَى الْمَوَدَّةِ، فَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَحْصُلِ الْمَوَدَّةُ إِلَّا بِإِسْلَامِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ وَمَا بَعْدَهُ، وَاللَّهُ قَدِيرٌ أَيْ: بَلِيغُ الْقُدْرَةِ كَثِيرُهَا، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَيْ: بَلِيغُهُمَا، كَثِيرُهُمَا. ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُعَادَاةِ الْكُفَّارِ وَتَرْكِ مُوَادَّتِهِمْ فَصَّلَ الْقَوْلَ فِيمَنْ يَجُوزُ بِرُّهُ مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَجُوزُ، فَقَالَ: لَا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَيْ: لَا يَنْهَاكُمْ عَنْ هَؤُلَاءِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ هَذَا بَدَلٌ مِنَ الْمَوْصُولِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ يُقَالُ: أَقَسَطْتُ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا عَامَلْتَهُ بِالْعَدْلِ. قَالَ الزَّجَّاجُ:

الْمَعْنَى: وَتَعْدِلُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أَيِ: الْعَادِلِينَ وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَنْهَى عَنْ بِرِّ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ عَاهَدُوا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ، وَعَلَى أَنْ لَا يُظَاهِرُوا الْكُفَّارَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَنْهَى عَنْ مُعَامَلَتِهِمْ بِالْعَدْلِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْمُوَادَعَةِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ نُسِخَ. قَالَ قَتَادَةُ: نَسَخَتْهَا: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «١» وَقِيلَ:

هَذَا الْحُكْمُ كَانَ ثَابِتًا فِي الصُّلْحِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا زَالَ الصُّلْحُ بِفَتْحِ مَكَّةَ نُسِخَ الْحُكْمُ. وَقِيلَ:

هِيَ خَاصَّةٌ فِي حُلَفَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَهْدٌ، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ خُزَاعَةُ وبنو الحارث ابن عَبْدِ مَنَافٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ خَاصَّةٌ فِي الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، وَقِيلَ: هِيَ خَاصَّةٌ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.

وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَنْ لَا يَحِلُّ بِرُّهُ وَلَا الْعَدْلُ فِي مُعَامَلَتِهِ فَقَالَ:

إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَهُمْ صَنَادِيدُ الْكُفْرِ مِنْ قُرَيْشٍ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَيْ: عَاوَنُوا الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَهُمْ سَائِرُ أهل مكة من دَخَلَ مَعَهُمْ فِي عَهْدِهِمْ، وَقَوْلُهُ: أَنْ تَوَلَّوْهُمْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ الْمَوْصُولِ كَمَا سَلَفَ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أَيِ: الْكَامِلُونَ فِي الظُّلْمِ لِأَنَّهُمْ تَوَلَّوْا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعَدَاوَةَ لِكَوْنِهِ عَدُوًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ، وَجَعَلُوهُمْ أَوْلِيَاءَ لَهُمْ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ قَالَ: نهوا أن يتأسوا

Juz 5, hlm. 254 ›

Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →