قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٧١﴾
تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
يعني بالحَميمِ عَرَقَ الفرسِ.
وإنما جعَل تعالى ذكرُه لهؤلاء الذين وصَف صفتَهم في هذه الآيةِ شرابًا مِن حَميمٍ؛ لأن الحارَّ مِن الماءِ لا يَرْوِي مِن عَطَشٍ. فَأَخْبَرَ أَنهم إذا عطِشوا في جهنمَ لم يُغاثوا بماءٍ يَرْوِيهم، ولكن بما يَزِيدون به (¬١) عَطَشًا على ما بهم مِن العطشِ. ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم أيضًا مع الشرابِ مِن (¬٢) الحميمِ مِن اللهِ العذابُ الأليمُ، والهَوانُ المقيمُ، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بما كان مِن كفرِهم في الدنيا بالله، وإنكارِهم توحيدَه، وعبادتِهم معه آلهةً دونَه.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾. قال: يقولُ: أُسْلِموا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحة، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾. قال: فُضِحوا (¬٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ قال: أُخِذوا بما كسَبوا (¬٤).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾.
Juz 9, hlm. 326 ›
وهذا تَنبيهٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ على حجَّتِه على مُشْرِكي قومِه مِن عَبَدةِ الأوثانِ، يقولُ له تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأندادَ، والآمِرِين لك باتباعِ دينِهم، وعبادةِ الأصنامِ معهم: أَنَدْعُو مِن دونِ اللهِ حجرًا أو خشبًا لا يَقْدِرُ على نفعِنا أو ضَرِّنا، فنُخْلِصَه (¬١) بالعبادةِ دونَ اللهِ، ونَدَعَ عبادةَ الذي بيدِه الضَّرُّ والنفعُ، والحياةُ والموتُ، إن كنتم تَعْقِلون فتُمَيِّزون بينَ الخيرِ والشرِّ؟ فلا شكَّ أنكم تَعْلَمون أن خدمةَ ما يُرْتَجَى نفعُه ويُرْهَبُ ضرُّه، أحقُّ وأولى مِن خدمةِ مَن لا يُرْجَى نفعُه ولا يُخْشَى ضرُّه.
﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾. يقولُ: ونُرَدُّ إلى أدبارِنا، فتَرْجِعُ القَهْقَرَى خلفَنا، لم نَظْفَرْ بحاجتِنا.
وقد بيَّنا معنى (الردِّ على العَقِبِ)، وأن العربَ تقولُ لكلِّ طالبِ حاجةٍ لم يَظْفَرْ بها: رُدَّ على عقِبَيْه. فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (¬٢).
وإنما يُرادُ به في هذا الموضعِ: ونُرَدُّ مِن الإسلامِ إلى الكفرِ، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فوفَّقَنا له، فيَكونُ مَثَلُنا في ذلك مثلَ الرجلِ الذي اسْتَتْبَعَه الشيطانُ يَهْوِي في الأرضِ حَيْرانَ.
وقوله: ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾. اسْتَفْعَلَتْه، مِن قولِ القائلِ: هَوَى فلانٌ إلى كذا، يَهْوِي إليه. و (¬٣) مِن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. بمعنى: تَنْزِعُ إليهم وتُرِيدُهم.
وأما ﴿حَيْرَانَ﴾ فإنه فَعْلانُ، مِن قولِ القائلِ: قد حار فلانٌ في الطريقِ، فهو
Juz 9, hlm. 327 ›
يَحارُ فيه حَيْرةً وحَيَرانًا وحَيرُورةً. وذلك إذا ضَلَّ فلم يَهْتَدِ للمَحَجَّةِ.
﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾. يقولُ: لهذا الحَيْرانِ الذي قد اسْتَهْوَتْه الشياطينُ في الأرضِ، أصحابٌ على المَحَجَّةِ واستقامةٍ من (¬١) السبيلِ، يَدْعُونه إلى المحجةِ؛ [لطريقِ الهدى] (¬٢) الذي هم (¬٣) عليه، يقولون له (¬٤): ائْتِنا.
وتُرِك إجراءُ ﴿حَيْرَانَ﴾؛ لأنه فَعْلانُ، وكلُّ اسمٍ كان على فَعْلانَ مما أُنْثاه فَعْلى، فإنه لا يُجْرَى في كلامِ العربِ في معرفةٍ ولا نكرةٍ.
وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه لمن كفَر باللهِ بعدَ إيمانِه، فاتَّبَع الشياطينَ مِن أهلِ الشركِ باللهِ، وأصحابُه الذين كانوا أصحابَه في حالِ إسلامِه، المُقِيمون على الدينِ الحقِّ، يَدْعُونه إلى الهُدَى الذي هم عليه / مُقِيمون، والصوابِ الذي هم به مُتَمَسِّكون، وهو له مُفارِقٌ، وعنه زائلٌ، يقولون له: ائْتِنا، فكُنْ معنا على استقامةٍ وهدًى. وهو يَأْبَى ذلك، ويَتَّبِعُ دواعيَ الشيطانِ، ويَعْبُدُ الآلهةَ والأوثانَ.
وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ، وخالَف في ذلك جماعةٌ.
ذكرُ مَن قال في (¬٥) ذلك مثلَ ما قلنا
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن
Juz 9, hlm. 328 ›
Pembahasan ayat ini masih 4 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.