تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
(سورة الأنعام)
قال كعبٌ (¬١): أوَّلُ الأنعام هو أوَّلُ التوراة (¬٢).
[﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾].
﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ «جعل» هنا بمعنى: خلق، والظلمات: الليل، والنور: النهار، والضَّوء الذي في الشمس والقمر وغيرهما.
Juz 2, hlm. 240 ›
وإنما أفرد النور؛ لأنه أراد الجنس.
وفي الآية ردٌّ على المجوس في عبادتهم النارَ وغيرَها من الأنوار، وقولهم: إن الخير من النور والشرَّ من الظلمة؛ فإن المخلوق لا يكون إلها ولا فاعلًا لشيء من الحوادث.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يُسوُّون ويُمثِّلون؛ من قولك: عدلتُ فلانًا بفلان: إذا جعلته نظيره وقرينه.
ودخلت ﴿ثُمَّ﴾ لتدلَّ على استبعاد أن يَعْدِلوا بربِّهم بعد وضوح آياته في خلق السموات والأرض، والظلمات والنور.
وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾؛ استبعادٌ لأن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه أحياهم وأماتهم.
وفي ضمن ذلك تعجيبٌ من فعلهم، وتوبيخٌ لهم.
و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هنا: عامٌّ في كل مشرك.
وقد يختصُّ:
بالمجوس؛ بدليل الظلمات والنور.
أو بَعَبَدَةِ الأصنام؛ لأنهم المجاورون للنبي ﷺ، وعليهم يقع الردُّ في أكثر القرآن. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ أي: خلق أباكم آدم من طين.
﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِندَهُ﴾ الأجل الأول: الموتُ، والثاني: يومُ القيامة، وجَعَله عنده؛ لأنه استأثر بعلمه.
Juz 2, hlm. 241 ›
وقيل: الأوَّل: النوم، والثاني: الموت.
ودخلت ﴿ثُمَّ﴾ هنا لترتيب الإخبار، لا لترتيب الوقوع؛ لأن القضاء متقدّمٌ على الخلق.
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يتعلَّق ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بمعنى اسم الله؛ فالمعنى كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفةُ في المشرق والمغرب.
ويحتمل أن يكون المجرور في موضع الخبر؛ فيتعلَّق باسم فاعلٍ محذوف، والمعنى على هذا قريبٌ من الأول.
وقيل: المعنى أنه في السموات والأرض بعلمه؛ كقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
والأول أرجح وأفصح؛ لأن اسم الله جامعٌ للصفات كلّها من العلم والقدرة والحكمة وغير ذلك فقَصَد جمعَها مع الإيجاز.
ويترجَّح الثاني: بأن سياق الكلام في اطّلاع الله تعالى وعلمه؛ لقوله بعدها: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾.
وقيل: يتعلَّق بمحذوف؛ تقديره: المعبود في السموات والأرض، وهذا المحذوف صفة لـ ﴿اللَّه﴾.
واسم ﴿اللَّه﴾ على هذا القول، وعلى الأول: هو خبر المبتدأ.
وأما إذا كان المجرور الخبر: فاسم ﴿اللَّه﴾ بدلٌ من الضمير.
﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ «من» الأولى: زائدة.
Juz 2, hlm. 242 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.