تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾
يقول: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾، وهو شق الأرض وإثارتها والبذر فيها، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾، أي: تنبتونه في الأرض ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أي: بلى [¬١] نحن الذين نقره قراره وننبته في الأرض.
قال ابن جرير: وقد حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجَرْمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشَام، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقولن: زرعت، ولكن قل: حرثت". قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (¬٨٤) [و] [¬٢] رواه البزار عن محمد بن عبد الرحيم عن مسلم [¬٣] الجرمي [به] [¬٤].
[وقال] [¬٥] ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مرسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن عطاء عن أبي عبد الرحمن، لا تقولوا: زرعنا، ولكن قولوا: حرثنا.
وروي عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾: وأمثالها يقول: بل أنت يا رب.
وقوله: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾. أي: نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا، وأبقيناه لكم
Juz 13, hlm. 384 ›
رحمة بكم، ولو نشاء لجعلناه حطامًا، أي: لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. ثم فسر ذلك بقوله: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، أي: لو جعلناه حطامًا لظَلْتم تفكهون في المقالة، تنوعون كلامكم، فتقولون تارة: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لَمُلقَوْن [¬١]، وقال مجاهد، وعكرمة: إنا لمُولَع بنا. وقال قتادة: معذبون. وتارة تقولون: بل نحن محرمون.
وقال مجاهد أيضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾: ملقون للشر، أي: بل نحن مُحَارَفون. قاله قتادة، أي: لا يثبت لنا مال، ولا ينتج لنا ربح.
وقال مجاهد: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [أي]: [¬٢] محدودون، يعني: لا حظ لنا.
قال ابن عباس، ومجاهد: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون. وقال مجاهد أيضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾: تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم. وهذا يرجع إلى الأول، وهو التعجب من السبب الذي من أجله أصيبوا في مالهم. وهذا اختيار ابن جرير.
وقال عكرمة: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾: تلاومون. وقال الحسن، وقتادة، والسدي: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾، تندمون. ومعناه إما على ما أنفقتم أو على ما أسلفتم من الذنوب. قال [الكسائي] [¬٣]: تفكَّه من الأضداد، تقول العرب: تفكهت [¬٤] بمعنى تنعمت، وتفكهت بمعنى حزنت.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾، يعني: السحاب. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾، يقول: بل نحن المنزلون. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾، أي: زُعاقًا [¬٥]، مرًّا لا يصلح لشرب [¬٦] ولا زرع، ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾، أي: فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبًا زلالًا؟! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة، حدثنا فُضَيل [¬٧] بن مرزوق، عن جابر، عن أبي جعفر، عن النبي ﷺ: أنه كان [¬٨] إذا
Juz 13, hlm. 385 ›
شرب الماء قال: "الحمد لله الذي سقاناه عذبًا فراتًا برحمته، ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا" (¬٨٥).
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾، أي: تقدحون من الزناد، وتستخرجونها من أصلها، ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾. أي: بل نحن الذين جعلناها مودعة في موضعها، وللعرب شجرتان، إحداهما: المرخ [¬١]، والأخرى: العَفار [¬٢]، إذا أخِذَ منهما غصنان أخضران، فحُكّ أحدهما بالآخر، تناثر من بينهما شرر النار.
وقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى.
قال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ؛ قال: "يا قوم؛ ناركم [¬٣] هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم". قالوا: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية! قال: "قد ضُربت بالماء ضربتين -أو: مرتين- حتى يستنفع بها بنو آدم ويدنوا منها" (¬٨٦).
وهذا الذي أرسله قتادة قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال:
حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" (¬٨٧).
وقال الإِمام مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "نار بني آدم التي يوقدون جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم". فقالوا: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية. فقال: "إنها فُضلت عليها بتسعة وستين جزءًا" (¬٨٨).
Juz 13, hlm. 386 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.