سورة الطّور
بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الطور) وهي مكية، وهي تسع وأربعون آية، وثلاثمئة واثنتا عشرة كلمة، وألف وخمسمئة حرف. انتهى. خازن. وروى الأئمة عن جبير بن مطعم-﵁. قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقرأ ب: (الطور) في المغرب. متفق عليه. انتهى. قرطبي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨)﴾
الشرح: في مطلع هذه السورة الكريمة أقسام خمسة، جوابها قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ والواو الأولى للقسم، والواوات بعدها للعطف، كما قال الخليل. انتهى. خطيب، أو كل واحد منها للقسم، كما قاله السمين. أقول: والأول أقوى؛ لأن الثاني يحوج إلى تقدير جواب لكل قسم، وقد بينات ذلك في الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وخذه وهو من قول أبي صخر الهذلي: [الطويل] أما والّذي أبكى وأضحك والّذي... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى... ألفين منها لا يروعهما الذّعر
﴿وَالطُّورِ:﴾ اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، أقسم الله به تشريفا له، وتكريما، وتذكيرا لما فيه من الايات، وهو أحد جبال الجنة، والمراد به طور سينا. وقيل: هو بمدين، وهو ضعيف. ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أي: مكتوب، يعني:
القرآن يقرؤه المؤمنون من المصاحف، ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ، كما قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ وقيل: المراد به: التوراة؛ التي كتبها الله لموسى. وموسى يسمع صرير الأقلام. وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: هو ما تسجله الحفظة، والكتبة من أعمال بني آدم، يخرج إليهم يوم القيامة منشورا، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله. ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ:﴾ والرق: كل ما يكتب عليه جلدا كان، أو غيره. قاله الراغب.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ أي: معمور بكثرة من يطوفون فيه، وهو بيت في السماء السابعة، قدام العرش بحيال الكعبة، يقال له: الضّراح، حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض. وصح في
Juz 9, hlm. 276 ›
حديث المعراج من أفراد مسلم عن أنس-﵁-أن رسول الله ﷺ رأى البيت المعمور في السماء السابعة، قال: «فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه». وفي رواية أخرى: «قال: فانتهيت إلى بناء، فقلت للملك: ما هذا؟ قال: بناء بناه الله للملائكة، يدخل فيه سبعون ألف ملك، لا يعودون، يسبحون الله، ويقدسونه». وفي أفراد البخاري عن أبي هريرة-﵁. عن النبي ﷺ: أنه رأى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ:﴾ المراد به: السماء سماها سقفا؛ لأنها للأرض كالسقف للبيت. وانظر الاية رقم [٤٧] من سورة (الذاريات). ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ أي: الموقد المحمى بمنزلة التنور المسجور، وهو قول ابن عباس-﵄-وذلك ما روي: أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة، فيزاد بها في نار جهنم، ودليل هذا قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ وقيل:
المسجور: المملوء، وأنشد النحويون للنمر بن تولب الصحابي-﵁: [المتقارب] إذا شاء طالع مسجورة... ترى حولها النّبع والسّاسما
يريد وعلا يطالع عينا مسجورة مملوءة ماء. وقيل: المسجور: اليابس؛ الذي ذهب ماؤه، ونضب. وقيل: هو المختلط العذب بالملح. والمعتمد الأول، وانظر سورة (التكوير).
﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أي: إنه لحق، ونازل بالمشركين في الدنيا وفي الاخرة، قال جبير بن مطعم-﵁: قدمت المدينة لأسأل رسول الله ﷺ في أسارى بدر، فوافيته يقرأ في صلاة المغرب: ﴿وَالطُّورِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ فكأنما صدع قلبي، فأسلمت خوفا من نزول العذاب، وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب. وجبير ﵁-لم يدخل المسجد وقتئذ، وإنما سمع القراءة، وهو خارج المسجد؛ لأن صوت النبي ﷺ يخرج من المسجد. وقال هشام بن حسان: انطلقت أنا، ومالك بن دينار إلى الحسن، وعنده رجل يقرأ: ﴿وَالطُّورِ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ..﴾. إلخ فبكى الحسن، وبكى أصحابه، فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه، ولما ولّي بكّار القضاء جاء إليه رجلان يختصمان، فتوجهت على أحدهما اليمين، فرغب في الصلح بينهما، وأنه يعطي خصمه من عنده عوضا من يمينه فأبى إلا اليمين، فأحلفه بأول ﴿وَالطُّورِ﴾ إلى أن قال له قل: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ إن كنت كاذبا، فقالها، فخرج فكسر من حينه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالطُّورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. وقد اختلف في المقسم به، فقيل: هو على ظاهره، وإنما أقسم الله بهذه الأشياء وأمثالها تنويها بشأنها، ورفعا لقدرها. وقيل: المقسم به محذوف، التقدير: ورب الطور، ورب كتاب... إلخ، انظر الذاريات وذكرت لك ما قيل عن الخليل، وعن السمين، وأنني رجحت الأول، الذي لا تقدير فيه، وكل
Juz 9, hlm. 277 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.