تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
تفسير سورة الطور وهي مكية
قال مالك (¬١): عن الزهري، عن محمَّد بن جُبَير بن مطعم، عن أنس: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا -أو: قراءة- منه. أخرجاه من طريق مالك.
وقال البخاري (¬٢): حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن زينب بنت أبي [¬١] سلمة، عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة". فإنه ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور.
﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠) فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ
Juz 13, hlm. 225 ›
مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾
يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة، أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم. فالطور هو: الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى. وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورًا، إنما يقال له: جبل.
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ قيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارًا؛ ولهذا قال: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيتِ الْمَعْمُورِ﴾. و [¬١] ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإِسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: "ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم" (¬٣). يعني: يتعبدون فيه ويطوفون به، كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم. كذلك ذاك البيت، هو كعبة أهل السماء السابعة؛ ولهذا وجد إبراهيم الخليل ﵇ مسندًا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة. والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد [بن مسلم] [¬٢]، حدثنا روح بن جَنَاح [¬٣]، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: "في السماء السابعة [¬٤] بيت يقال له: المعمور، بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له: الحيوان، يدخله جبريل كل يوم، فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكًا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه فيفعلون، ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدًا، ويولى عليهم أحدهم، يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفا يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة" (¬٤).
Juz 13, hlm. 226 ›
هذا حديث غريب جدًّا تفرد به روح بن جناح [¬١] هذا، وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد [¬٢] الدمشقي، وقد أنكر هذا الحديث عليه جماعة من الحفاظ منهم: الجَوزَجَاني، والعقيلي، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وغيرهم. قال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة، ولا سعيد، ولا الزهريّ [] [¬٣].
وقال ابن جرير: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة؛ أن رجلًا قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له "الضّراح"، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، لا يعودون فيه أبدًا (¬٥).
وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري، عن سماك. وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك. ثم رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن طلق بن غنام، عن زائدة، عن عاصم، عن علي بن ريبعة؛ قال: سأل ابن الكواء عليًّا عن البيت المعمور؟ قال: مسجد في السماء يقال له "الضّراح"، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدًا. ورواه من حديث أبي الطفيل، عن علي بمثله (¬٦).
وقال العوفي عن ابن [¬٤] عباس: هو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة ويصلي فيه كل ليلة [¬٥] سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون إليه. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، وغير واحد من السلف.
وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: "هل
Juz 13, hlm. 227 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.