فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
· الطيبي
وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم.
وبقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أنكم إذا كلمتموه وهو صامت، فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرّب من الهمس الذي يضادّ الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز اسمه: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩].
وقيل معنى: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوّة. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله. وعن عمر ﵁: أنه كان يكلم النبي ﷺ كأخي السرار، لا يسمعه حتى يستفهمه، وكان أبو بكر إذا قدم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عاليًا لكلامكم): اللام جيء بها لضعف عمل اسم الفاعل، وكذا في "باهرًا لجهركم". الجوهري: "بهرة بهرًا، أي: غلبه"، وكذا "علوت الرجل: غلبته".
قوله: (وبقوله: ﴿ولا تَجْهَرُوا﴾): عطف على قوله: "بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ ".
قوله: (قال أبو بكر ﵁: ياو رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار): روينا عن البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: "قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ، فقال أبو بكر ﵁: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر ﵁: أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت".
Juz 14, hlm. 439 ›
على رسول الله ﷺ وفد، أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله ﷺ.
وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر: ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأنّ ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون، وإنما الغرض صوت هو في نفسه، والمسموع من جرسه: غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه، وردّه إلى حدّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي رواية: "كاد الخيران أن يهلكا، قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدث [النبي ﷺ] بحديث، حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه".
قال في "الفائق": كأخي السرار: أي: كلامًا مثل المسارة وشبهها لخفض صوته، والكاف في محل النصب؛ صفة مصدر محذوف، والضمير في "لا يسمعه" يرجع إلى الكاف، و"لا يسمعه" صفة لقوله: (كأخي السرار) ".
قوله: (وليس الغرض): عطف على قوله: "والمراد بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ "، يعني: أنهم وإن نهوا عن رفع الصوت والجهر، لكن لي الغرض بذلك أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف والاستهانة برسول الله ﷺ، وكيف وهم خير الناس؟ ! بل الغرض أن التصويت بحضرته بنفسه مباين لتوقيره وتعزيزه.
ويدل على هذا التأويل قوله: "ولم يتناول النهي أيضًا [رفع الصوت] الذي لا يتأذى به"، يعني: وإن كان الغرض في النهي الزجر عن التصويت نفسه، لكن ما بلغ إلى حد يحرم مطلقًا، لأنه إذا تناط به مصلحة من المصالح، ويكون مأمورًا به، كان واجبًا.
Juz 14, hlm. 440 ›
ولم يتناول النهي أيضًا رفع الصوت الذي لا يتأذى به رسول الله ﷺ، وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ، أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث: أنه قال ﵊ للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: «اصرخ بالناس»، وكان العباس أجهر الناس صوتًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والحاصل: أن النهي تناول الصوت الذي يتأذى به الرسول ﷺ، وقوله: "والمسموع من جرسه" زيادة وبيان.
الأساس: "ما سمعناه له جرسًا ولا همسًا، وهو الخفي من الصوت، وجرس الكلام: نغم به، والحروف كلها مجروسة إلا أحرف اللين".
"إلى حد يميل به": "يميل به" صفة "حد"، وضمير الفاعل يعود عليه، والضمير في "به" عائد إلى "الصوت"، وفاعل "يستبين": "المأمور به"، والضمير في "فيه" عائد إلى "ما"، و"من التعزير" بيان المأمور به، أي: فيتكلف المكلف رد الصوت إلى حد يميل به إلى ما يظهر فيه التوقير المأمور به.
قوله: (قال ﷺ للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس: "اصرخ بالناس"): روى مسلم عن العباس قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، ولزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب رسول الله ﷺ، فلم نفارقه"، وساق الحديث إلى قوله: "ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض على بغلته قبل الكفار، فقال رسول الله ﷺ: يا عباس، ناد أصحاب السمرة، فقال عباس_ وكان رجلًا صيتًا_: قفلت بأعلى صوتي: أين أحصاب السمرة، قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا بصوتي عطفة البقر على أولادها" الحديث وكنية العباس في "الاستيعاب" و"الجامع": أبو الفضل.
Juz 14, hlm. 441 ›
Pembahasan ayat ini masih 8 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.