تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
الإشارة، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على: ﴿إِفْكُهُمْ،﴾ وعلى اعتبار: ﴿إِفْكُهُمْ﴾ فعلا ماضيا، فهو معطوف على ذلك. وقيل: على المضمر المرفوع في الفعل: (أفكهم)، ويحسن ذلك للتفرقة بالمضمر المنصوب بينهما، فقام مقام التأكيد. انتهى. مكي. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل نصب خبر: (كان). والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: وذلك إفكهم والذي كانوا يفترونه.
هذا؛ وأجاز الجلال اعتبار (ما) مصدرية، وموصولة، ورجح سليمان الجمل المصدرية؛ ليعطف مصدر على مثله، ويكون التقدير: وذلك إفكهم، وافتراؤهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً..﴾. إلخ، قال القرطبي: هذا توبيخ لمشركي قريش؛ أي: إن الجن سمعوا القرآن، فآمنوا به، وعلموا: أنه من عند الله، وأنتم معرضوان مصرون على الكفر!! ومعنى ﴿صَرَفْنا:﴾ وجهنا إليك، وبعثنا. قال المفسرون: ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وغيرهم: لما مات أبو طالب خرج النبي ﷺ إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة، فقصد عبد ياليل، ومسعودا، وحبيبا، وهم إخوة ثلاثة (بنو عمرو بن عمير) وعندهم امرأة من قريش، من بني جمح، فدعاهم إلى الإسلام، وسألهم أن ينصروه على قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك! وقال الاخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟! وقال الثالث:
والله لا أكلمك كلمة أبدا، إن كان الله أرسلك كما تقول، فأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، وإن كنت تكذب، فما ينبغي لي أن أكلمك.
فقال لهم رسول الله ﷺ: «إذ فعلتم ما فعلتم؛ فاكتموا عليّ» (وكره أن يبلغ قومه، فيزيد ذلك في تجرؤهم عليه) فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم، وعبيدهم، فجعلوا يسبونه، ويصيحون به، ويرجمونه بالحجارة، حتى اجتمع الناس عليه، وألجؤوه إلى حائط (بستان) لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهما فيه ينظران إليه، وقد لقي رسول الله ﷺ تلك المرأة، التي من بني جمح، فقال لها:
«ماذا لقينا من أحمائك؟». ثم قال: «اللهمّ إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين! أنت ربّ المستضعفين، وأنت ناصر المظلومين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمني؟! أو إلى عدوّ ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا
Juz 9, hlm. 51 ›
أبالي! ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا، والاخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك! لك العتبى حتّى ترضى، ولا حول ولا قوة إلاّ بك» وقد روي: أنه نزل عليه في تلك الساعة ملك الجبال، وقال له: يا محمد! إن الله أمرني أن أطيعك فيما تأمر به؛ إن أردت أن أطبق عليه الأخشبين (الجبلين) لفعلت! فقال: «لا، إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون!». فقال الملك: صدق من سمّاك الرؤوف الرحيم.
فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحرّكت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له:
عدّاس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، وضعه في هذا الطبق، ثم ضعه بين يدي هذا الرجل. فلما وضعه بين يدي رسول الله ﷺ، قال النبي ﷺ: «باسم الله». ثم أكل، فنظر عدّاس إلى وجهه، ثم قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له النبي ﷺ: «من أي البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك؟». قال: أنا نصرانيّ من أهل نينوى، فقال له النبي ﷺ: «أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟» فقال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ قال: «ذاك أخي، كان نبيا، وأنا نبيّ». فانكبّ عدّاس يقبّل رأس النبي ﷺ، ويديه، ورجليه، فقال أحد ابني ربيعة: أما غلامك فقد أفسده عليك! فلما جاءهما عداس؛ قالا له: ويلك يا عدّاس مالك تقبّل رأس هذا الرجل، ويديه، وقدميه؟! فقال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا، أخبرني بكلام ما يعلمه إلاّ نبي! فقالا له: ويحك يا عدّاس! لا يصرفك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
ثم إنّ رسول الله ﷺ انصرف راجعا من الطائف إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان ببطن نخلة قام من الليل يصلي، فمرّ به نفر من جنّ نصيبين، كانوا قاصدين اليمن، وذلك حين منعوا من استراق السمع من السماء، ورموا بالشهب، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته؛ ولّوا إلى قومهم منذرين، وقد آمنوا، وأجابوا لمّا سمعوا القرآن، فقصّ الله خبرهم عليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا..﴾. إلخ. وفي الاية قول آخر سيأتي في سورة (الجن) وهو حديث مخرج في الصحيحين من حديث ابن عباس-﵄.
هذا؛ وروي: أنّ الجن لما رجموا بالشهب؛ بعث إبليس سراياه؛ ليعرف الخبر، فكان أول بعث بعثه من أهل نصيبين، وهم أشراف الجن، وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، وقال أبو حمزة:
بلغنا: أنهم من بني الشيصبان، وهم أكثر الجن عددا، وهم عامة جنود إبليس، فلما رجعوا إلى قومهم؛ قالوا: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾.
وقال جماعة: بل أمر رسول الله ﷺ أن ينذر الجن، ويدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفرا من الجن، وهم من أهل نينوى، وجمعهم له، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن الليلة، فأيكم يتبعني؟». فأطرقوا، ثم استتبعهم،
Juz 9, hlm. 52 ›
فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة، فتبعه عبد الله بن مسعود-﵁. قال عبد الله: لم يحضر معه أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنّا بأعلى مكة دخل نبي الله ﷺ شعبا، يقال له:
شعب الحجون، وخطّ لي خطا، وأمرني أن أجلس فيه، وقال: «لا تخرج منه؛ حتى أعود إليك». فانطلق حتى قام عليهم، فافتتح القرآن.
فجعلت أرى مثل النسور تهوي، وتمشي في رفرفها، وسمعت لغطا شديدا؛ حتى خفت على النبي ﷺ، وغشيته أسودة كثيرة (جماعة) حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ رسول الله ﷺ منهم مع الفجر، فانطلق إليّ، فقال لي: «أنمت؟».
فقلت: لا والله يا رسول الله! ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس؛ حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول لهم: اجلسوا، فقال: «لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم». ثم قال: «هل رأيت شيئا؟». قلت: نعم يا رسول الله! رأيت رجالا سودا عليهم ثياب بيض قال: «أولئك جن نصيبين (والأصح: جن نينوى) سألوني المتاع (والمتاع: الزاد) فمتعتهم بكل عظم حائل، وروثة، وبعرة».
فقالوا: يا رسول الله يقذرها الناس علينا، فنهى رسول الله ﷺ أن يستنجى بالعظم، والروث.
فقلت: يا رسول الله! وما يغني عنهم ذلك؟ فقال: «إنهم لا يجدون عظما إلاّ وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلاّ وجدوا فيها حبها يوم أكلت». فقلت: يا رسول الله سمعت لغطا شديدا. فقال:
«إنّ الجن تدارأت في قتيل قتل بينهم، فتحاكموا إليّ، فقضيت بينهم بالحق».
ثم تبرز رسول الله ﷺ وأتاني، فقال: «هل معك ماء؟». قلت: يا رسول الله! معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر، فاستدعاه، فصببت على يديه، فتوضأ، وقال: «ثمرة طيبة، وماء طهور». قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزّط، فأفزعوه حين رآهم، ثم قال: اظهروا، فقيل له: إنّ هؤلاء قوم من الزّط، فقال: ما أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى رسول الله ﷺ ليلة الجن. قلت: حديث الوضوء بنبيذ التمر ضعيف ذكره البيهقي في كتابه «الخلافيات» بأسانيده، وأجاب عنها كلها.
هذا؛ واختلف في عدد أولئك الجن، قال ابن عباس-﵄-كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إلى قومهم، وقال آخرون: كانوا تسعة، وروي عن زر بن حبيش قال: كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. وروي: أنّ الجن ثلاثة أصناف: صنف منهم لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف على صور الحيات، والكلاب، وصنف يحلون، ويظعنون. ونقل بعضهم أنّ أولئك الجن كانوا يهودا، فأسلموا. قالوا: وفي الجن ملل كثيرة مثل الإنس، ففيهم اليهود، والنصارى، والمجوس، وعبدة الأصنام، وفي مسلميهم مبتدعة، ومن يقول بالقدر، وخلق القرآن، ونحو ذلك من البدع، والمذاهب. وأطبق المحققون على أنّ الكل مكلفون. سئل ابن عباس-﵄: هل للجن ثواب؟ قال: نعم لهم ثواب، وعليهم عقاب. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف.
Juz 9, hlm. 53 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.