تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
عليكم عذابَ يومٍ عظيمٍ: أجئتَنا يا هودُ لتَصْرِفَنا عن عبادةِ آلهتِنا إلى عبادةِ ما تَدْعُونا إليه، وإلى اتِّباعِك على قولِك؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾. قال: لِتُزِيلَنا. وقرَأ: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢]. قال: يُضِلُّنا ويُزِيلُنا ويَأْفِكُنا (¬١).
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: مِن العذابِ على عبادتِنا ما نعبدُ من الآلهةِ، إن كنتَ مِن أهلُ الصدقِ في قولِه وعِدَاتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال هودٌ لقومِه عادٍ: إِنَّما العِلمُ بوقتِ مجيءِ ما أعِدُكم به من عذابِ اللهِ على كفرِكم به - عندَ اللهِ، لا أَعْلمُ عند الله، لا أعلمُ مِن ذلك إلا ما علَّمنى، ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾. يقولُ: وإنما أنا رسولٌ إليكم مِن اللهِ، مُبَلِّغٌ أُبَلِّغُكم عنه ما أرسَلنى به من الرسالةِ، ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ مواضِعَ حظوظِ أنفسِكم، فلا تعرِفون ما عليها مِن المَضَرَّةِ بعبادتِكم غيرَ اللهِ، وفي استعجالِ عذابِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤)﴾.
Juz 21, hlm. 155 ›
يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا جاءَهم عذابُ اللهِ الذي استعجَلوه، فرأوه سحابًا عارضًا في ناحيةٍ مِن نَواحِى السماءِ مُستَقبِلَ أوديتِهم، والعربُ تُسَمِّي السحابَ الذي يُرَى في بعض أقطارِ السماءِ عَشِيًّا ثم يصبِحُ مِن الغدِ قد استوى وحَبَا (¬١) بعضُه إلى بعضٍ - عارِضًا؛ وذلك لعرضِه في بعضِ أرجاءِ السماءِ حينَ نشَأ، كما قال الأعشى (¬٢):
يا مَنْ يَرَى عارِضًا قد بتُّ أَرْمُقُه … كأنما البَرْقُ في حَافَاتِه الشُّعَلُ
﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. ظَنًّا منهم برؤيتِهم إيَّاه أَن غَيْثًا قد أتاهم يَحْيَون به، فقالوا: هذا الذي كان هودٌ يَعِدُنا، وهو الغيثُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنه (¬٣) حُبِس عنهم المطرُ زمانًا، فلمَّا رَأَوا العذابَ مُقْبِلًا، ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. وذُكر لنا أنهم قالوا: كذَب هودٌ، كذَب هودٌ. فلما خرَج نبيُّ اللهِ ﷺ فَشَامَه (¬٤)، قال: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ساقَ اللهُ السحابةَ السوداءَ التي اختارَ قَيْلُ بنُ عنزٍ بما فيها مِن النِّقْمَةِ إلى عادٍ، حتى تخرُجَ عليهم مِن وادٍ لهم يقالُ له: المُغِيثُ، فلما رَأوها استَبْشَروا وقالُوا: هذا عارِضٌ مُمطِرُنا. يقولُ اللهُ ﷿: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (¬٥).
Juz 21, hlm. 156 ›
وقولُه: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ نبيِّه ﷺ هودٍ لقومِه - لمَّا قالوا له عندَ رؤيتِهم عارضَ العذابِ قد عرَض لهم في السماءِ: هذا عارضٌ مُمْطِرُنا نَحْيا به -: ما هو بعارضِ غيثٍ، ولكنه عارضُ عذابٍ لكم، بل هو ما استَعْجَلْتم به. أي: هو العذابُ الذي استَعْجَلْتم به فقلتُم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. والريحُ مكررةٌ على ﴿مَا﴾ في قولِه: ﴿هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾. كأنه قيل: بل هو ريحٌ فيها عذابُ أليمٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: كان هودٌ جلدًا في قومِه، وإنه كان قاعدًا في قومِه فجاء سحابٌ مُكْفَهِرٌ، فقالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. فقال هودٌ: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: فجاءت ريحٌ، فجعَلَتْ تُلْقِى الفسطاطَ، وتجيءُ بالرجلِ الغائبِ فتُلْقِيه (¬١).
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال سليمانُ: ثنا أبو إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: لقد كانت الريحُ تحمِلُ الظعينةَ فترفَعُها حتى تُرَى كأنها جَرادةٌ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
Juz 21, hlm. 157 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.