تفسير المراغي
· المراغي، أحمد بن مصطفى
[سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥١ الى ٥٩]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
تفسير المفردات
فى مقام أمين: أي فى مجلس أمنوا فيه من كل همّ وحزن، سندس: أي ديباج رقيق، إستبرق: أي حرير فيه بريق ولمعان، زوّجناهم: أي قرناهم، بحور عين:
أي بجوار بيض حسان واسعات العيون، يدعون: أي يطلبون، وقاهم: أي حفظهم ارتقب: أي انتظر.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر وعيد الكافرين وما يرونه من الأهوال فى ذلك اليوم- أعقب هذا بوعد المتقين بما يلاقونه فى جنات النعيم من ضروب التكريم فى الملبس والزوجات والمآكل، ثم ببيان أن هذا النعيم أبدىّ خالد لا يعقبه موت ولا تحوّل ولا انتقال، ثم ختم السورة بالمنة على العرب فى نزول القرآن بلغتهم لعلهم يعتبرون ويتعظون به، ثم توعدهم إذا هم كذبوا بما جاء به الرسول بحلول النقمة بهم، والنصر له عليهم، كما هى سنته فى أمثالهم من المكذبين «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي» .
Juz 25, hlm. 136 ›
الإيضاح
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ) أي إن المتقين لله فى الدنيا الخائفين عقابه، المنتظرين فضله وثوابه- يكونون فى الآخرة فى مجالس يأمنون فيها من الموت ومن كل ما يحزنهم ويصيبهم من الآفات والآلام.
وقد ذكر سبحانه من ضروب نعيمهم خمسة ألوان:
(١) مساكنهم كما قال «فِي مَقامٍ أَمِينٍ. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ» والمسكن يطيب بأمرين:
(ا) أن يكون من فيه آمنا من جميع ما يخافه ويحذر منه، وهو المقام الأمين.
(ب) أن يكون فيه أسباب النزهة من الجنات والعيون، وذلك قوله: ِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ» .
(٢) ملابسهم، وهى التي عناها سبحانه بقوله:
(يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) وقد تقدم بسط الكلام فى ذلك فى سورة الكهف.
(٣) استئناس بعضهم ببعض بجلوسهم على جهة التقابل، وهو ما أشار إليه بقوله:
(مُتَقابِلِينَ) أي ينظر بعضهم إلى بعض، وهو أتمّ للأنس.
(٤) الأزواج كما قال:
(كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) أي وهذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحور العين اللاتي لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جانّ.
(٥) المأكول كما قال:
(يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ) أي يطلبون ما يشتهون من أنواع الفاكهة، وهم آمنون من انقطاعها، ومن غائلة أذاها ومكروهها، فهى ليست كفاكهة الدنيا التي نأكلها ونخاف مكروه عاقبتها، أو نخاف نفادها فى بعض الأحايين.
Juz 25, hlm. 137 ›
وبعد أن وصف ما هم فيه من نعيم مقيم، بيّن أن حياتهم فى هذا النعيم دائمة لا يلحقها موت ولا فناء فقال:
(لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) أي لا يخشون فى الجنة موتا ولا فناء أبدا.
وقد ثبت فى الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «يؤتى بالموت فى صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت»
وقد تقدم هذا فى سورة مريم.
وروى أبو هريرة وأبو سعيد أن رسول الله ﷺ قال: يقال لأهل الجنة إن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وإن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا» رواه مسلم.
وخلاصة ذلك- لا يذوقون فيها الموت، لكن الموتة الأولى قد ذاقوها فى الدنيا كذا قال الزجاج والفرّاء.
(وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ) أي وهم مع هذا النعيم قد نجاهم من العذاب الأليم، فى دركات الجحيم، فأعطاهم ما يطلبون، ونجاهم مما يهزبون.
(فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ) أي نجاهم من ذلك تفضلا منه وإحسانا.
(ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي ذلك الذي أعطيناه هؤلاء المتقين من الكرامة، هو الفوز العظيم بما كانوا يطلبون إدراكه فى الدنيا، بأعمالهم، وطاعتهم لربهم، واتقائهم إياه، فيما امتحنهم به من الطاعات، واجتنابهم للمحرمات.
ولما أتمّ المقاصد التي أراد ذكرها فى هذه السورة لخصها بقوله:
(فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي إنما سهلنا إليك قراءة القرآن الذي أنزلناه إليك بلسانك، ليتذكر به قومك ويتعظوا بعظاته، ويتفكروا فى آياته إذا تلوتها عليهم، فينيبوا إلى ربهم، ويذعنوا للحق الذي تبيّنوه.
ولما كان القرآن مع هذا الوضوح والبيان قد خالف فيه بعض الناس وعاند، قال تعالى مسليّا رسوله وواعدا له بالنصر، ومتوعدا من كذبه بالهلاك.
Juz 25, hlm. 138 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.