التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
ثمّ وصفت لهم أهوال يوم القيامة وما فيه من الحساب والعقاب وطعام الزّقوم في نار جهنم وغير ذلك مما يرهب ويرعب، ويثير المخاوف الشّديدة في النّفوس.
وختمت السّورة بنعت وبيان مصير الأبرار ومصير الفجّار، لترغيب الفريق الأول وتبشيره بالعاقبة الحميدة، وترهيب الفريق الثاني وإنذاره بالنّكال والعذاب الشّديد.
فضلها:
ذكر المفسّرون أحاديث في فضل سورة الدّخان، لكنها لا تخلو من ضعف (¬١)، منها ما رواه الدّارميّ في مسنده عن أبي رافع قال: «من قرأ الدّخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفورا له، وزوّج من الحور العين»
ورواه الثّعلبي مرفوعا عن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من قرأ الدّخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له»
وفي لفظ آخر للتّرمذي: «من قرأ حم الدّخان في ليلة، أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك»،
وعن أبي أمامة قال: سمعت النّبي ﷺ يقول: «من قرأ حم الدّخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، بنى الله له بيتا في الجنة».
إنزال القرآن في ليلة القدر المباركة وصفات منزله
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾
Juz 25, hlm. 204 ›
الإعراب:
﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا﴾ ﴿أَمْراً﴾: إما منصوب على الحال بمعنى آمرين، أو منصوب على المصدريّة، أو منصوب بفعل مقدّر، أي أعني أمرا، وهو قول أبي العباس المبرّد.
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿رَحْمَةً﴾: إما منصوب على أنه مفعول لأجله، أي للرّحمة، وحذف مفعول ﴿مُرْسِلِينَ﴾، أو لأنه مفعول ﴿مُرْسِلِينَ﴾ والمراد بالرّحمة حينئذ النّبي ﷺ، لقوله تعالى:
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١]، أو منصوب على البدل من قوله:
﴿أَمْراً﴾، أو منصوب على المصدر، أو منصوب على الحال، وهو قول أبي الحسن الأخفش.
﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ بالجرّ: بدل من ﴿رَبِّكَ﴾، وبالرّفع: خبر آخر، أو صفة، أو استئناف على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ربّ السموات.
البلاغة:
﴿حَكِيمٍ﴾ ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ من صيغ المبالغة على وزن فعيل.
﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بينهما طباق.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ حثّ وتحريض على الإيمان والتفكّر والتّبصر.
المفردات اللغوية:
﴿حم﴾ الحروف المقطعة للدلالة على إعجاز القرآن، والتّنبيه على خطورة ما يلقى من أحكام في هذه السّورة، كما تقدّم. ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ هذا قسم بالقرآن، أي والقرآن ذي البيان الواضح لكل حاجات الإنسان في الدّين والدنيا.
﴿لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ هي ليلة القدر، ابتدئ فيها إنزال القرآن، أو أنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ، وبركتها لأن نزول القرآن سبب للمنافع الدّينية والدّنيوية. ﴿مُنْذِرِينَ﴾ مخوّفين به، وهو استئناف يتبيّن فيه المقتضي للإنزال.
Juz 25, hlm. 205 ›
﴿فِيها﴾ في ليلة القدر. ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصّل ويبيّن. ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ محكم لا لبس فيه، من الأمور المحكمة التّشريعية، والأرزاق والآجال وغيرها على مدار السّنة إلى تلك الليلة.
﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا على مقتضى حكمتنا، وهو مزيد تفخيم للأمر. ﴿مُرْسِلِينَ﴾ الرّسل: محمد ﷺ ومن قبله ﵈. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ رأفة بالمرسل إليهم. ﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم وأحوالهم، وهو وما بعده بيان أنّ الرّبوبية لا تحقّ إلا لمن هذه صفاته، مما ينفي ربوبية غيره. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي إن كنتم من أهل الإيقان في العلوم وفي أنه تعالى ربّ السموات والأرض، أو كنتم تطلبون اليقين وتريدونه.
﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ إذ لا خالق سواه. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ كما تشاهدون. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ من البعث، وهو ردّ لكونهم موقنين. ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يعبثون استهزاء بالنّبيّ ﷺ، لذلك قال:
اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف».
التفسير والبيان:
﴿حم، وَالْكِتابِ الْمُبِينِ، إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ أقسم الله سبحانه بالقرآن العظيم الذي هو الكتاب الموضّح لكلّ ما يحتاجه الإنسان من أمور الدّين والدّنيا، على أنه أنزل القرآن في ليلة كثيرة الخيرات التي هي ليلة القدر، كما جاء مبيّنا في آية أخرى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١/ ٩٧]، من ليالي شهر رمضان الذي نزل فيه القرآن، كما قال تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ [البقرة ١٨٥/ ٢]، أي أنه بدئ بإنزاله في ليلة القدر من ليالي رمضان، واستمرّ نزوله منجّما ثلاثا وعشرين سنة، أو أنزل القرآن كلّه في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدّنيا.
إنّا كنّا بهذا القرآن منذرين الناس من العذاب الأليم في الآخرة إذا اقترفوا الشّرك والمعاصي، ومعلّمين النّاس ما ينفعهم ويضرّهم شرعا لتقوم حجّة الله على عباده.
Juz 25, hlm. 206 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.