تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
لهم، وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة.
وقوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: مستكبرًا جبارًا عنيدًا. وكقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾، سَرِفًا في أمره، سخيف الرأي على نفسه.
وقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾، قال مجاهد: ﴿اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾، على مَن هم بين ظَهْرَيه.
وقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك. وكان يقال: إن لكل زمان عالمًا وهذه كقوله تعالى: ﴿قَال يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: أهل زمانه، وكقوله لمريم: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾، أي: في زمانها، فإن خديجة أفضل منها وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، أو [¬١] مساوية لها في الفضل، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
وقوله: ﴿وَآتَينَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ﴾، أي: الحجج والبراهين وخوارق العادات ﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾، أي: اختبار ظاهر جليّ [¬٢] لمن اهتدى به.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إلا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾
يقول تعالى منكرًا على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد، وأنه ما ثَمَّ إلا هذه الحياة الدنيا، ولا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور. ويحتجون بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا، فإن كان البعث حقًّا ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وهذه حجة باطلة وشبهة فاسدة، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة لا في هذه الدار، بعد انقضائها وذهابها وفراغها يعيد الله العالمين خلقًا جديدًا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودًا، يوم تكونون [¬٣] شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا.
ثم قال تعالى متهددًا لهم، ومتوعدًا ومنذرًا لهم بأسه الذي لا يُرد، كما حل بأشباههم ونظرائهم من المشركين والمنكرين للبعث، وكقوم [¬٤] تبع -وهم سبأ- حيث أهلكهم الله
Juz 12, hlm. 346 ›
وخَرّب بلادهم، وشرَّدهم في البلاد، وفرقهم شَذَر مَذَر، كما تقدم ذلك في سورة سبأ، وهي مُصَدّرة بإنكار المشركين للمعاد. وكذلك هاهنا شَبَّههم بأولئك، وقد كانوا عربًا من قحطان [كما أن] [¬١] هؤلاء عرب من عدنان، وقد كانت حمير -وهم سبأ- كلما مَلكَ فيهم رجل سموه تُبَّعًا، كما يقال: كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافرًا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس.
ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه وهو الذي مَصَّر الحيرة فاتفق أنه مَرّ بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار، وجعلوا يَقْرُونه بالليل، فاستحيا منهم وكَفّ عنهم، واستصحَبَ معه حَبْرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة، فإنها مُهَاجَرُ نَبيّ يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة فنهياه أيضًا، وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناية إبراهيم الخليل وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها، وكساها المُلاء والوصائل والحَبِير. ثم كرّ راجعًا إلى اليمن ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى ﵇ فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح ﵇ فتهود معه عامة أهل اليمن. وقد ذكر القصة بطولها الإِمام محمد بن إسحاق في كتابه "السيرة" (¬١٨).
وقد ترجمه الحافظ [ابن عساكر] في تاريخه ترجمة حافلة (¬١٩)، أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا وما لم نذكر. وذكر أنه ملك دمشق، وأنه كان إذا استعرض الخيل صُفَّت له [الخيل] [¬٢] من دمشق إلى اليمن. ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أدري الحدُود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري تُبَّع لَعينًا كان أم لا؟ ولا أدري ذو القرنين نبيًّا كان أم ملكًا؟ " وقال غيره: "أعزيزٌ كان نبيًّا أم لا؟ ". و [¬٣] كذا رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن حماد الطّهراني، عن عبد الرزاق (¬٢٠).
Juz 12, hlm. 347 ›
قال الدارقطني: تفرد به عبد الرزاق، ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "عُزير لا أدري أنبيًا كان أم لا؟ ولا أدري [ألعين تُبّع] [¬١] أم لا؟ " (¬٢١).
ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته كما سيأتي. وكأنه -والله أعلم- كان كافرًا ثم أسلم، وتابع دينَ الكليِم [¬٢] على يَدَي مَن كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح ﵇ وحج البيت في زمن الجُرهُميين، [وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر ونحر عنده ست آلاف بدنة وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى] [¬٣] اليمن. وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة عن أبي بن كعب، وعبد الله بن سَلام، وعبد الله بن عباس، وكعب الأحبار. داليه المرجع في ذلك كله، وإلى عبد الله بن سلام أيضًا، وهو أثبت وأكبر وأعلم.
وكذا روى قصته وهب بن مُنَبه، ومحمد بن إسحاق في "السيرة" كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تُبَّع هذا [¬٤] بترجمة آخر [¬٥] متأخر عنه بدهر طويل، فإن تُبَّعًا هذا المشارَ إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما مات عادوا بعده إلى عبادة الأصنام والنيران، فعاقبهم الله تعالى كما ذكر [¬٦] في سورة سبأ، وقد بسطنا قصتهم هنالك، ولله الحمد والمنة.
وقال سعيد بن جبير: كسا تبع الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبه.
وتُبَّع هذا هو تُبَّع الأوسط، واسمه أسعد أبو كريب بن مَلْكيكَرب اليماني، ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستًّا [¬٧] وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مُدّة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله ﷺ بنحو من سبعمائة عام. وذكروا أنه لما ذكر له الحَبْران من يهود المدينة أن هذه البلدة [¬٨] مُهاجَرُ [نبي في آخر الزمان] [¬٩]، اسمه أحمد، قال في ذلك شعرًا واستودعه عند أهل المدينة. وكانوا يتوارثونه ويَرْوُنه خلفًا عن سلف. وكان ممن يحفظه
Juz 12, hlm. 348 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.