تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: (يا قوم). قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
واجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
ويزاد سادسة، وهي لغة القطع: «يا قوم» بضم الميم، ففي الحديث الشريف، يقول: «يا ربّ يا ربّ» وقرئ في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..﴾. إلخ. ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (ليس): فعل ماض ناقص.
﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) تقدم على اسمها. ﴿مُلْكُ:﴾ اسم (ليس) مؤخر، وهو مضاف، و ﴿مِصْرَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.
﴿وَهذِهِ:﴾ الواو: واو الحال. (هذه): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ بدل من اسم الإشارة. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿الْأَنْهارُ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير المجرور محلا بالإضافة. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿الْأَنْهارُ﴾ خبرا للمبتدأ، فتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْأَنْهارُ،﴾ وهي حال متداخلة، والرابط: رجوع الفاعل على: ﴿الْأَنْهارُ،﴾ كما أجيز اعتبار اسم الإشارة معطوفا على:
﴿مُلْكُ﴾. وتبقى الجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْأَنْهارُ،﴾ و ﴿الْأَنْهارُ﴾ بدل من اسم الإشارة. ﴿مِنْ تَحْتِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَفَلا:﴾
الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (لا): نافية. ﴿تُبْصِرُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف. هذا؛ والكلام: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ تفسير لقوله: ﴿وَنادى..﴾. إلخ.
﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ..﴾. إلخ: قال النسفي: ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى: بل، والهمزة، كأنه قال: أثبت عندكم، واستقر: أني أنا خير، وهذه حالي؟ وقال البيضاوي: و ﴿أَمْ﴾ إما منقطعة، والهمزة فيها للتقرير لما تقدم من أسباب فضله. أو متصلة على إقامة المسبب مقام السبب.
والمعنى: أفلا تبصرون، أم تبصرون، فتعلمون أني خير منه؟ وقال القرطبي، والخازن: ﴿أَمْ﴾ بمعنى: «بل» على قول أكثر المفسرين، والمعنى: قال فرعون لقومه: بل أنا خير. ويريد
Juz 8, hlm. 617 ›
ب: ﴿مَهِينٌ﴾ موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، يريد: حقير ضعيف لا عزّ له، فهو يمتهن نفسه في حاجاته؛ لحقارته وضعفه.
﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ أي: يفصح بكلامه للّثغة؛ التي كانت في لسانه. وإنما عابه بذلك لما كان عليه أولا، واللثغة التي كانت في لسانه حصلت من الجمرة التي التقمها، وذلك: أن موسى ربّي في حجر فرعون، فكان يلاعبه ذات يوم، فلطم موسى فرعون لطمة على وجهه، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لامرأته آسية بنت مزاحم-وهي بنت عم موسى-: إن هذا عدوي. وأراد قتله، فقالت له آسية-عليهاالسّلام-: إنه صبي لا يعقل، جربه؛ إن شئت، فجاءت بطستين، في أحدهما جمرة، وفي الآخر جوهرة. وقيل: تمر، فوضعتهما بين يدي موسى؛ وفرعون ينظر، فأراد أن يأخذ الجوهرة، فأخذ جبريل ﵇ يد موسى، فوضعها على الجمر، فأخذ جمرة، فوضعها في فمه، فاحترق لسانه، وصارت فيه عقدة، وقد سأل الله تعالى أن يحل هذه العقدة؛ حيث قال في سورة (طه): ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ انظر الآية رقم [٢٨] هناك تجد ما يسرّك.
تنبيه: كاد، يكاد: فعل يدل على وقوع مقاربة الفعل بعدها، ولذا لم تدخل عليه «أن» لأنها تخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليه حرف النفي؛ دلّ على أن الفعل بعده وقع، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٧١]: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وإذا لم يدخل عليه حرف نفي لم يكن الفعل بعده واقعا، ولكنه قارب الوقوع. وفعله واوي العين، فيكاد وزنه: يكود، كيعلم، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، فصار: يكاد، بوزن: يخاف. و «كاد» أصله: كود بكسر الواو، كخوف، ومصدره الكود، كالخوف، وهذا في كاد يكاد الناقصة وأما «كاد» التامة، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي كباع، ومصدره:
الكيد، كالبيع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول قوله تعالى في سورة (النور):
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ..﴾. إلخ، والآية التي نحن بصدد شرحها، ومن الثاني قوله تعالى في سورة (يوسف): ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ وقوله جلّ ذكره في سورة الطارق: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ ومعنى الأول المقاربة، ومعنى الثاني المكر، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني تام التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.
فائدة:
قد تأتي «كاد» بمعنى: أراد، قاله محب الدين الخطيب، شارح شواهد الكشاف، وجعل منه قول الراقدة الأودي: [البسيط]
والبيت لا يبتنى إلاّ بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا
Juz 8, hlm. 618 ›
أي: الذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [الكامل]
كدنا وكدت وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى
أي: أردنا وأردت، دليله: «خير إرادة»
تنبيه: شاع على الألسن أن نفي «كاد». إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعري بقوله: [الطويل] أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة؟ ... جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود
فأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك، صاحب الألفية بقوله: [الطويل] نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود
وفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها فالعلم غير بعيد
وقد اتفقت كلمة النحاة على أنّ (كاد، يكاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن، ومتشابه. انظر الشاهد [١١٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والأشموني وغيرهما، وها أنذا أسوق لك ما ذكره السيوطي رحمه تعالى في كتابه (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك. قال-رحمه الله تعالى-: والتحقيق: أنّها كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، إلاّ أنّ معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أنّ من لم يقارب الفعل، لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: (كاد زيد يقوم) معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة، إلاّ أنه لم يضيء، وقولك: (لم يكد زيد يقوم) معناه: لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي:
لا يقارب إساغته، فضلا عن أن يسيغه، وعلى هذا الزجاجي وغيره، وذهب قوم منهم ابن جني إلى أنّ نفيها يدلّ على وقوع الفعل ببطء لآية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فإنهم فعلوا بعد بطء. والجواب:
أنّها محمولة على وقتين؛ أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾. انتهى.
وقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنّه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا بعداء عن ذبحها، بدليل ما يتلى علينا من تعنتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى.
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ هذَا:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾ والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بدلا من
Juz 8, hlm. 619 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.