تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
شريح بن عبيد، قال: لما تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [¬١]، أشار رسول الله ﷺ بيده إلى عبد الله بن رواحة [فقال: "لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل" يعني ابن رواحة] [¬٢].
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، وتركوا ما ينهون عنه ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ قال السدي. أي: وأشد تصديقًا ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا] [¬٣] ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي: من عمل بما أمره الله به [¬٤] ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله ﷿ يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء، ثم من بعدهم في الرتبة وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم.
ثم أثنى عليهم تعالى، فقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.
و [¬٥] قال البخاري (¬٦٠١): حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة". وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته [¬٦] بحة شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خُيِّر.
وكذا رواه مسلم من حديث شعبة عن سعد بن إبراهيم - به.
Juz 4, hlm. 149 ›
وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر (¬٦٠٢): " اللهم في الرفيق الأعلى". ثلاثًا، ثم قضى. عليه أفضل الصلاة والتسليم.
(ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة)
قال ابن جرير [¬١] (¬٦٠٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ: "يا فلان؛ ما لي أراك محزونًا". فقال: يا نبي الله؛ شيء فكرت فيه. فقال: "ما هو؟ " قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، و [¬٢] غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يردّ عليه [¬٣] النبي ﷺ شيئًا، فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. فبعث النبي ﷺ فبشره.
وقد روي هذا الأثر مرسلًا عن مسروق وعن [¬٤] عكرمة وعامر الشعبي وقتادة وعن الربيع ابن أنس، وهو من أحسنها سندًا [¬٥].
قال [¬٦] ابن جرير (¬٦٠٤): حدّثنا المثنى، [ثنا إسحاق] (*) ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية، قال: إن أصحاب النبي ﷺ قالوا: قد علمنا أن النبي ﷺ له فضل على من آمن به في درجات
Juz 4, hlm. 150 ›
الجنة ممن اتبعه وصدّقه، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضًا؟ فأنزل الله في ذلك يعني هذه الآية، فقال -يعني رسول الله ﷺ: "إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها [¬١]، فيذكرون ما أنعم الله عليهم، ويثنون عليه، [وينزل لهم] [¬٢] أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه".
وقد روي مرفوعًا من وجه آخر، فقال أبو بكر بن مردويه (¬٦٠٥): حدثنا عبد الرحيم بن محمد ابن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؟ إنك لأحب إلى من نفسي، وأحب إلي من أهلى، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا فى خلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم ود عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.
وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه "صفة الجنة" من طريق الطبراني، عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال، عن عبد الله بن عمران العابدي، به، ثم قال: لا أرى بإسناده بأسًا. والله أعلم.
وقال ابن مردويه أيضًا (¬٦٠٦): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي،
Juz 4, hlm. 151 ›
Pembahasan ayat ini masih 5 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.