التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
ثم وجّه الحق ﷾ المنفقين رياء إلى ما هو الأصلح لهم وهو الإيمان الحق بالله (أي التصديق بواجب الوجود) واليوم الآخر، والإنفاق لوجه الله، فالله عليم بكل شيء، خبير بأحوال الناس، وسيجازي كل امرئ بما قدم وعمل.
الترغيب في امتثال الأوامر والتحذير من المخالفة والعصيان
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً (٤٢)﴾
الإعراب:
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ بالنصب خبر تكن الناقصة، وتقديره: وإن تكن الذرة حسنة، وقرئ بالرفع على أنها فاعل تكن التامة. وأصل (تك): تكون بالرفع، إلا أنه حذفت الضمة للجزم، فبقيت النون ساكنة والواو ساكنة، فاجتمع ساكنان، وهما لا يجتمعان، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وكان حذف الواو أولى؛ لأنها حرف معتل، والنون حرف صحيح، فبقي «تكن» فحذفت النون لكثرة الاستعمال. ﴿شَهِيداً﴾ حال منصوب من الضمير في ﴿بِكَ﴾ وهو الكاف، والتقدير: جئنا بك شهيدا على هؤلاء. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في موضع نصب والعامل فيه ﴿يَوَدُّ﴾ وكذلك: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ في موضع نصب ب ﴿يَوَدُّ﴾ أيضا ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ إما معطوف على ﴿تُسَوّى﴾ فيكون داخلا في التمني، أي ودوا تسوية الأرض وكتمان الحديث من الله تعالى، وإما أن تكون الواو فيه واو الحال، والجملة حالية.
Juz 5, hlm. 74 ›
البلاغة:
﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا﴾ السؤال عن المعلوم لتقريع السامع وتوبيخه.
المفردات اللغوية:
﴿لا يَظْلِمُ﴾ الظلم: النقص وتجاوز الحد، أي لا ينقص أحدا من حسناته ولا يزيد في سيئاته. ﴿مِثْقالَ﴾ أصله المقدار الذي له ثقل مهما قل، ثم أطلق على المعيار المخصوص للذهب وغيره (المثقال العجمي: ٤، ٨٠ غم) والمراد به هنا وزن ﴿ذَرَّةٍ﴾ أصغر ما يدرك من الأجسام، والذرة في العلم الحديث: الجزء الذي لا يتجزأ، ومن الذرات: الهباء: وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من نافذة. ﴿يُضاعِفْها﴾ من عشر إلى أكثر من سبعمائة. ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده.
﴿بِشَهِيدٍ﴾ هو نبي الأمة. ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي لو أن تتسوى بهم الأرض بأن يكونوا ترابا مثلها لعظم الهول، كما في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾. ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ مما عملوه، وفي وقت آخر يكذبون ويقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ والحديث: الكلام.
المناسبة:
موضوع هذه الآيات الترغيب من الله تعالى في امتثال المأمورات والتحذير من المنهيات الواردة في الآيات السابقة، ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه لا يظلم أحدا من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١] وقال تعالى مخبرا عن لقمان أنه قال: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ، إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ١٦/ ٣١].
Juz 5, hlm. 75 ›
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: «فيقول الله ﷿: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار»
وفي لفظ: «أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار» فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقول أبو سعيد:
اقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ..﴾. الآية.
ومعنى الآية: أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله شيئا مهما قل، ولا يعاقب أحدا على شيء مهما كان بغير حق؛ لأن الظلم نقص، والله تعالى متصف بكل كمال، منزّه عن كل نقص.
فمن اقترف سيئة بعد أن زوده الله بالعقل والتقدير والميزان، كان هو الظالم لنفسه: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١].
ومع أنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله ولو مثقال ذرة، يضاعف ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، أما السيئة فلا تضاعف، ويجزى بمثلها فقط، كما في آية أخرى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦].
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي إنه تعالى لا يكتفي بمضاعفة حسنات المحسن، بل يعطيه أجرا من غير مقابل له من الأعمال، فهو واسع الفضل كثير الإحسان. والأجر العظيم: الجنة، نسأل الله الرضا والجنة.
وإذا كان هذا هو نظام الثواب، فيتعجب الخالق من بعض الناس قائلا:
فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشاهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة ١١٧/ ٥]. وجئنا بك يا محمد على هؤلاء المكذبين شهيدا.
عن ابن
Juz 5, hlm. 76 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.