البحر المحيط في التفسير - ط الفكر
· أبو حيان الأندلسي
عَدُوَّهُمْ فَيَسْتَبِيحُهُمْ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْهُمْ هَلَاكُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَسَبْيُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ بِالْفِتَنِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَغَلُظَتْ شَوْكَةُ الْكُفَّارِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَقَلُّهُ.
وَقِيلَ: سَبِيلًا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، فَإِنْ وُجِدَ فَبِخِلَافِ الشَّرْعِ. وَقِيلَ: سَبِيلًا حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَا عَقْلِيَّةٌ يَسْتَظْهِرُونَ بِهَا إِلَّا أَبْطَلَهَا وَدُحِضَتْ. وَقِيلَ: سَبِيلًا أَيْ ظُهُورًا قَالَهُ: الْكَلْبِيُّ.
وَيُحْمَلُ عَلَى الظُّهُورِ الدَّائِمِ الْكُلِّيِّ، فَيُؤَوَّلُ مَعْنَاهُ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَسْتَبِيحُونَ بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا فَقَدَ ظَهَرُوا فِي مَوَاطِنَ كَأُحُدٍ قَبْلُ.
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنَ الْفَصَاحَةِ والبديع فنونا التَّجْنِيسِ الْمُغَايِرِ فِي: أَنْ يصالحا بَيْنَهُمَا صُلْحًا، وَفِي: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ، وَفِي: فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا، وَفِي: كفروا وكفروا.
وَالتَّجْنِيسِ الْمُمَاثِلِ فِي: وَيَسْتَفْتُونَكَ ويفتيكم، وفي: صلحا والصلح، وفي: جامع وجميعا. وَالتَّكْرَارَ فِي: لَفْظِ النِّسَاءِ، وَفِي لَفْظِ يَتَامَى، وَالْيَتَامَى، وَرَسُولُهُ، وَلَفْظِ الْكِتَابِ، وَفِي آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، وَفِي الْمُنَافِقِينَ. وَالتَّشْبِيهِ فِي: كَالْمُعَلَّقَةِ. وَاللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ لِلضِّدَّيْنِ فِي: ترغبون أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ. وَالِاسْتِعَارَةُ فِي: نُشُوزًا، وَفِي: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، وَفِي: فَلَا تَمِيلُوا، وَفِي: قَوَّامِينَ، وَفِي: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا، وَفِي: ازدادوا كفرا وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا، وَفِي: يَتَرَبَّصُونَ، وَفِي: فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ، وَفِي: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ، وَفِي: سَبِيلًا.
وَهَذِهِ كُلُّهَا لِلْأَجْسَامِ اسْتُعِيرَتْ لِلْمَعَانِي. وَالطِّبَاقُ فِي: غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، وَفِي: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَاتِّبَاعُ الْهَوَى جَوْرٌ وَفِي الْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ. وَالِاخْتِصَاصُ فِي: بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا خَصَّ الْعَمَلَ. وَالِالْتِفَاتُ فِي: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ إِذَا كَانَ الْخِطَابُ لِلْمُنَافِقِينَ. وَالْحَذْفَ فِي مَوَاضِعَ.
[سُورَةُ النساء (٤) : الآيات ١٤٢ الى ١٥٩]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لَا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦)
مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١)
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢) يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦)
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)
Juz 4, hlm. 106 ›
الْكَسَلُ: التَّثَاقُلُ، وَالتَّثَبُّطُ، وَالْفُتُورُ عَنِ الشَّيْءِ. وَيُقَالُ: أَكْسَلَ الرَّجُلُ إِذَا جَامَعَ فَأَدْرَكَهُ الْفُتُورُ وَلَمْ يُنْزِلْ. الذَّبْذَبَةُ: الِاضْطِرَابُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى عَلَى حَالٍ، قَالَهُ: ابْنُ عَرَفَةَ وَالتَّرَدُّدُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. وَقَالَ النَّابِغَةُ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مُلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ
وَقَالَ آخَرُ:
خَيَالٌ لِأُمِّ السَّلْسَبِيلِ وَدُونَهَا ... مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ الْمُذَبْذَبِ
بِكَسْرِ الثَّانِيَةِ. قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أَيِ الْقَلَقُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ. قِيلَ: وَأَصْلُهُ الذَّبُّ، وَهُوَ ثُلَاثِيُّ الْأَصْلِ ضُعِّفَ فَقِيلَ: ذَبَبَ، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنْ أَحَدِ الْمُضَعَّفَيْنِ وَهِيَ الْبَاءُ الثَّانِيَةُ ذَالًا فَقِيلَ ذَبْذَبَ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ الْكُوفِيِّينَ. وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَهُوَ عِنْدَهُمْ رُبَاعِيٌّ كَدَحْرَجَ.
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
تَقَدَّمَ تَفْسِيرٌ يُخَادِعُونَ اللَّهَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ. وَمَعْنَى وَهُوَ خَادِعُهُمْ: أَيْ مُنْزِلٌ الْخِدَاعَ بِهِمْ، وَهَذِهِ عِبَارَةٌ عَنْ عُقُوبَةٍ سَمَّاهَا بِاسْمِ الذَّنْبَ. فَعُقُوبَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا ذُلُّهُمْ وَخَوْفُهُمْ، وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابُ جَهَنَّمَ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: هَذَا الْخِدَاعُ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى يُعْطِي هَذِهِ الْأُمَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُؤْمِنٍ أَوْ مُنَافِقٍ، فَيَفْرَحُ الْمُنَافِقُونَ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا، فإذا جاؤوا إِلَى الصِّرَاطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنَافِقٍ، وَنَهَضَ الْمُؤْمِنُونَ. وَذَلِكَ قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ وَذَلِكَ هُوَ الْخِدَاعُ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُنَافِقِينَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهُوَ خَادِعُهُمْ، وَهُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ مَا يَفْعَلُ الْغَالِبُ فِي الْخِدَاعِ، حَيْثُ تَرَكَهُمْ مَعْصُومِينَ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ فِي الدُّنْيَا، وَأَعَدَّ لَهُمُ الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُخْلِهِمْ فِي الْعَاجِلِ مِنْ فَضِيحَةٍ وَإِحْلَالِ بَأْسٍ وَنِقْمَةٍ وَرُعْبٍ دَائِمٍ. وَالْخَادِعُ مِنْ خَدَعْتُهُ إِذَا غَلَبْتَهُ، وَكُنْتَ أَخْدَعَ مِنْهُ انْتَهَى. وَبَعْضُهُ مُسْتَرَقٌ مِنْ كَلَامِ الزَّجَّاجِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لَمَّا أَمَرَ بِقَبُولِ مَا أَظْهَرُوا كَانَ خَادِعًا لَهُمْ بِذَلِكَ. وَقَرَأَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ: خَادِعْهُمْ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ عَلَى التَّخْفِيفِ. استثقال الْخُرُوجِ مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى خَبَرِ إِنَّ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
أَيْ مُتَوَانِينَ لَا نَشَاطَ لَهُمْ فِيهَا، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُصَلُّونَ تَسَتُّرًا وَتَكَلُّفًا، وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الَّتِي ذَمَّ الْمُنَافِقُونَ، وَأَنْ
Juz 4, hlm. 108 ›
يُقْبِلَ إِلَى صَلَاتِهِ بِنَشَاطٍ وفراغ قَلْبٍ وَتَمَهُّلٍ فِي فِعْلِهَا، وَلَا يَتَقَاعَسُ عَنْهَا فِعْلَ الْمُنَافِقِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَى كُرْهٍ لَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَرَغْبَةٍ. وَمَا زَالَ فِي كُلِّ عَصْرٍ مُنَافِقُونَ يَتَسَتَّرُونَ بِالْإِسْلَامِ، وَيَحْضُرُونَ الصَّلَوَاتِ كَالْمُتَفَلْسِفِينَ الْمَوْجُودِينَ فِي عَصْرِنَا هَذَا، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِلَيْهِمْ فِي شِعْرٍ قَالَهُ وَضَمَّنَ فِيهِ بَعْضَ الْآيَةِ، فَقَالَ فِي أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ وَأَمْثَالِهِ مِنْ مُتَفَلْسِفَةِ الْإِسْلَامِ:
لِأَشْيَاعِ الْفَلَاسِفَةِ اعْتِقَادُ ... يَرَوْنَ به عن الشرع انْحِلَالًا
أَبَاحُوا كُلَّ مَحْظُورٍ حَرَامٍ ... وَرَدُّوهُ لِأَنْفُسِهِمْ حَلَالًا
وَمَا انْتَسَبُوا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا ... لِصَوْنِ دِمَائِهِمْ أَنْ لَا تُسَالَا
فَيَأْتُونَ الْمَنَاكِرَ فِي نَشَاطٍ ... وَيَأْتُونَ الصَّلَاةَ وَهُمْ كُسَالَى
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: كُسَالَى بِضَمِّ الْكَافِ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ: كَسَالَى بِفَتْحِ الْكَافِ وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ وَأَسَدٍ. وَقَرَأَ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: كَسْلَى عَلَى وَزْنِ فَعْلَى، وُصِفَ بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْمُؤَنَّثُ الْمُفْرَدُ عَلَى مُرَاعَاةِ الْجَمَاعَةِ كقراءة: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
«١» .
يُراؤُنَ النَّاسَ
أَيْ يَقْصِدُونَ بِصَلَاتِهِمُ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ وَأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ. وَهِيَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، يُرِي الْمُرَائِي النَّاسَ تَجَمُّلَهُ بِأَفْعَالِ الطَّاعَةِ، وَهُمْ يُرُونَهُ اسْتِحْسَانَ ذَلِكَ الْعَمَلِ. وَقَدْ يَكُونُ مِنْ بَابِ فَاعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ، نَحْوَ نِعْمَةٍ وَنَاعِمَةٍ. وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ: رَأَتِ الْمَرْأَةُ الْمِرْآةَ إِذَا أَمْسَكَتْهَا لِتَرَى وَجْهَهَا. وَقُرِئَ: يرؤن بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَ الرَّاءِ وَالْوَاوِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهِيَ أَقْوَى فِي المعنى من يراؤون، لِأَنَّ مَعْنَاهَا يَحْمِلُونَ النَّاسَ عَلَى أَنْ يَرَوْهُمْ وَيَتَظَاهَرُونَ لَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ يُبْطِنُونَ النِّفَاقَ. وَنَسَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ لِابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ قَرَأَ: يرؤنهم هَمْزَةٌ مُشَدَّدَةٌ مِثْلَ: يُرَعُّونَهُمْ أي يبصرونهم أعمالهم، ويراؤونهم كَذَلِكَ.
وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
قَالَ الْحَسَنُ: قُلْ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا مَعْنَاهُ إِنَّمَا قَلَّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْهُ، وَمَا رَدَّهُ اللَّهُ فَكَثِيرُهُ قَلِيلٌ، وَمَا قَبِلَهُ فَقَلِيلُهُ كَثِيرٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قُلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَوْضِهِمْ فِي الْبَاطِلِ وَقَوْلِهِمُ الزُّورَ وَالْكُفْرَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِلَّا قَلِيلًا، لِأَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ قَطُّ غَائِبِينَ عَنْ عُيُونِ النَّاسِ إِلَّا مَا يُجَاهِرُونَ بِهِ، وَمَا يُجَاهِرُونَ بِهِ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُمْ مَا وَجَدُوا مَنْدُوحَةً مِنْ تَكَلُّفِ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ لم يتكلفوه، أولا يذكرون الله بالتسبيح
Juz 4, hlm. 109 ›
Pembahasan ayat ini masih 21 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.