تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وإن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة، وملجأ يتحصن فيه، "والمراغم": مصدر، تقول العرب: راغم فلان قومه مراغمًا ومراغمة، قال نابغة بني جعدة:
كطود يُلاذ بأركانه … عزيز المراغم والمهرب
وقال ابن عباس: "المراغم" التحول من أرض إلى أرض. وكذا روي عن الضحاك والربيع ابن أنس والثوري. وقال مجاهد: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ يعني: متزحزحًا عما يكره، وقال سفيان ابن عيينة: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، يعني: بروجًا. والظاهر، والله أعلم، [أن المراغم] [¬١] التمنع الذي يتحصن به، ويراغم به الأعداء.
وقوله ﴿وَسَعَةً﴾ يعني [¬٢]: الرزق. قاله غير واحدٍ، منهم قتادة، حيث قال في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾: أي والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ومن خرج [¬٣] من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له من [¬٤] الله ثواب من هاجر. كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن (¬٧٣٤)، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله، ﵌: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته [لدنيا] [¬٥] يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
Juz 4, hlm. 231 ›
وهذا عام في [الهجرة وفى كل] [¬١] الأعمال. ومنه الحديث الثابت فى الصحيحين (¬٧٣٥)، في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا [¬٢]، ثم أكمل بذلك العابد [¬٣] المائة، ثم سأل عالمًا هل له من توبة؟ فقال له [¬٤]: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر [¬٥] يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجرًا إلى البلد الآخر [¬٦] أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبًا، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب كان [¬٧] منها، فأمر الله هذه أن تقرب [¬٨] من هذه، وهذه أن تبعد، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة، وفي رواية أنه لما جاءه الموت؛ ناء [¬٩] بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.
[وقال الإمام أحمد (¬٧٣٦): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله] [¬١٠] بن عتيك، عن أبيه عبد الله بن عتيك قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "من خرج من بيته مهاجرًا [¬١١]، في سبِيل الله" ثم قال [¬١٢] بأصابعه [¬١٣] هؤلاء الثلاث: الوسطى، والسبابة، والإبهام فجمعهن وقال: وأين
Juz 4, hlm. 232 ›
المجاهدون [في سبيل الله] [¬١]، فخرّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حَتْفَ أنفه، فقد وقع أجره على الله". [يعني بحتف أنفه: على فراشه] [¬٢]، والله، إنها لكلمة ما سمعتها من [¬٣] [أحد من] [¬٤] العرب قبل رسول الله، ﷺ، ومن قتلـ قَعْصًا [¬٥] [¬٦] فقد استوجب المآب.
وقال ابن أبي حاتم (¬٧٣٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي [¬٧]، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي [¬٨]، عن المنذر بن عبد الله، عن هشام ابن عروة، عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فقال [¬٩] الزبير: فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه، وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغني؛ لأنه قل أحد ممن هاجر من قريش إلا و [¬١٠] معه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد
Juz 4, hlm. 233 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.