زاد المسير في علم التفسير
· ابن الجوزي
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)
قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً قال أبو عبيدة: الزُّمَر: جماعاتٌ في تفرقة بعضُهم على إِثر بعض، واحدها: زُمْرة. قوله تعالى: رُسُلٌ مِنْكُمْ أي: أنفسكم. وكَلِمَةُ الْعَذابِ هي قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ «١» . قوله تعالى: فُتِحَتْ أَبْوابُها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «فتّحت» «وفتّحت» مشدَّدتين، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: بالتخفيف. وفي هذه الواو ثلاثة أقوال: أحدها: أنها زائدة، روي عن جماعة من اللُّغويين منهم الفراء. والثاني: أنها واو الحال فالمعنى: جاءوها وقد فُتحتْ أبوابُها، فدخلت الواو لبيان أن الأبواب كانت مفتَّحةٍ قبل مجيئهم، وحذفت من قصة أهل النار لبيان أنها كانت مُغْلَقةً قبل مجيئهم، ووجه الحكمة في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ أهل الجنّة جاءوها وقد فُتحت أبوابُها ليستعجلوا السُّرور والفرح إِذا رأَوا الأبواب مفتَّحةً، وأهل النار يأتونها وأبوابُها مُغلَقة ليكون أشدَّ لحرِّها، ذكره أبو إِسحاق ابن شاقْلا من أصحابنا. والثاني: أن الوقوف على الباب المغلق نوعُ ذُلٍّ، فصِينَ أهلُ الجنة عنه، وجعل في حق أهل النار، ذكره لي بعض مشايخنا والثالث: أنه لو وَجَدَ أهلُ الجنة بابها مُغلَقاً لأثَّر انتظارُ فَتْحه في كمال الكَرَم، ومن كمال الكَرَم غَلْقُ باب النّار إِلى حين مجيء أهلها، لأن الكريم يعجِّل المثوبة، ويؤخِّر العقوبة، وقد قال ﷿: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ «٢» قال المصنف: هذا وجهٌ خطر لي. والقول الثالث: أن الواو زِيدتْ، لأنَّ أبواب الجنة ثمانيةٌ، وأبواب النار سبعةٌ، والعرب تَعْطِفُ في العدد بالواو على ما فوق السبعة على ما ذكرناه في قوله تعالى: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ «٣» ، حكى هذا القول والذي قبله الثعلبي. واختلف العلماء أين جوابُ هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الجواب محذوف، قاله أبو عبيدة، والمبرِّد، والزجّاج في آخرين. وفي تقدير هذا المحذوف قولان: أحدهما: أن تقديره: حَتَّى إِذا جاؤُها إِلى آخر الآية ... سُعِدوا، قاله المبرِّد.
والثاني: حَتَّى إِذا جاؤُها إلى قوله تعالى: فَادْخُلُوها خالِدِينَ.. دخلوها، وإِنما حُذف، لأن في الكلام دليلاًَ عليه، وهذا اختيار الزجاج. والقول الثاني: أن الجواب: قال لهم خزنتُها، والواو زائدة، ذكره الأخفش، قال: ومثله في الشِّعر.
Juz 4, hlm. 27 ›
فإذا وذلكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ ... إِلَا كَلَمَّةِ حالِمٍ بخَيالِ «١»
أي: فإذا ذلك. والثالث: الجواب: حتى إذا جاءوها فُتحتْ أبوابُها، والواو زائدة، حكاه الزجاج عن قوم من أهل اللغة.
وفي قوله تعالى: طِبْتُمْ خمسة أقوال: أحدها: أنهم إذا انْتَهَوا إِلى باب الجنة وَجدوا عند بابها شجرةً يَخرج من تحت ساقها عينان، فيَشربون من إِحداهما، فلا يبقى في بطونهم أذىً ولا قذىً إِلاّ خرج، ويغتَسلون من الأُخرى، فلا تَغْبَرُّ جلودُهم ولا تَشَعَّثُ أشعارُهم أبداً. حتى إِذا انتَهَوْا إِلى باب الجنة قال لهم عند ذلك خزنتها: «سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ» ، رواه عاصم بن ضمرة عن علي رضى الله عنه «٢» ، وقد ذكرنا في الأعراف «٣» نحوه عن ابن عباس. والثاني: طاب لكم المقام، قاله ابن عباس.
والثالث: طِبْتُم بطاعة الله، قاله مجاهد. والرابع: أنهم طُيِّبوا قَبْلَ دخول الجنة بالمغفرة، واقتُصَّ من بَعْضِهم لِبَعْض، فلمّا هُذِّبوا قالت لهم الخََزَنَةُ: طِبْتُم، قاله قتادة «٤» . والخامس: كنتم طيّبين في الدُّنيا، قاله الزجاج. فلمّا دخَلوها قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ بالجنة وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ أي أرض الجنة نتبوَّأ منها حيثُ نشاء منها أي: نَتَّخِذُ فيها من المنازل ما نشاء. وحكى أبو سليمان الدمشقي أن أُمَّة محمد ﷺ يدخلون الجنة قبل الأمم، فينزلون منها حيث شاؤوا، ثم تنزل الأُمم بعدهم فيها، فلذلك قالوا: نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ يقول الله ﷿: فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ أي: نِعْمَ ثوابُ المُطِيعِينَ في الدُّنيا الجنة.
قوله تعالى: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ: أي مُحْدِقِينَ به، يُقال: حَفَّ القومُ بفلانٍ: إِذا أَحْدَقوا به ودخلتْ «مِنْ» للتوكيد، كقولك: ما جاءني من أحدٍ. يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قال السدي، ومقاتل: بأَمْرِ ربِّهم. وقال بعضهم: يُسَبِّحونَ بالحمد له حيث دخل الموحِّدون الجنة. وقال ابن جرير: التَّسبيح هاهنا بمعنى الصَّلاة.
قوله تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: بينَ الخلائق بِالْحَقِّ أي: بالعَدْلِ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا قول أهل الجنة شُكْراً لله تعالى على إِنعامه. قال المفسِّرون: ابتدأ اللهُ ذِكْرَ الخَلْق بالحَمْدِ فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ «٥» وختم غاية الأمر- وهو استقرار الفريقين في منازلهم- بالحمد لله بهذه الآية، فنبَّه على تحميده في بداية كلّ أمر وخاتمته.
Juz 4, hlm. 28 ›
سورة الغافر
قال أبو سليمان الدّمشقي: ويقال لها: سورة الطّول «١» . وهي مكّيّة! قاله ابن عباس، والحسن:
ومجاهد، وعكرمة، وقتادة. وحكي عن ابن عباس وقتادة أنّ فيها آيتين نزلتا بالمدينة: قوله: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ والتي بعدها «٢» . قال الزّجّاج: وذكر أنّ الحواميم كلّها نزلت بمكّة.
قال ابن قتيبة: يقال: إنّ «حم» اسم من أسماء الله أضيفت هذه السّورة إليه. كأنه قيل: سورة الله، لشرفها وفضلها، فقيل: آل حاميم، وإن كان القرآن كلّه سور الله، وإنّ هذا كما يقال: بيت الله، وحرم الله، وناقة الله، قال الكميت:
وجدنا لكم في آل حاميم آية ... تأوّلها منّا تقيّ ومعرب «٣»
وقد تجعل «حم» اسما للسّورة، ويدخل الإعراب ولا يصرف، ومن قال هذا في الجميع:
الحواميم، كما يقال: «طس» والطّواسين. وقال محمّد بن القاسم الأنباري: العرب تقول: وقع في الحواميم، وفي آل حميم، أنشد أبو عبيدة:
حلفت بالسّبع اللّواتي طوّلت ... وبمئين بعدها قد أمئيت
وبمثان ثنّيت فكررت ... وبالطّواسين اللّواتي ثلّثت
وبالحواميم اللّواتي سبّعت
فمن قال: وقع في آل حاميم، جعل حاميم اسما لكلّهنّ ومن قال: وقع في الحواميم، جعل «حم» كأنه حرف واحد بمنزلة قابيل وهابيل.
وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: من الخطأ أن تقول: قرأت الحواميم، وليس من كلام العرب، والصّواب أن تقول: قرأت آل حاميم. وفي حديث ابن مسعود: «إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات» «٤» ، وقال الكميت:
وجدنا لكم في آل حاميم آية
Juz 4, hlm. 29 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.