Lewati ke konten

QS. Az-Zumar: 66 الزمر

بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٦﴾

Tafsir

Kitab tafsir lain (29)

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير · ابن عاشور

الْمَقَامِ، وَتَقْدِيرُهُ: تَنَبَّهْ فَاعْبُدِ اللَّهَ (أَيْ تَنَبَّهْ لِمَكْرِهِمْ وَلَا تَغْتَرِرْ بِمَا أَمَرُوكَ أَنْ تَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ) فَحُذِفَ فِعْلُ الْأَمْرِ اخْتِصَارًا فَلَمَّا حُذِفَ اسْتُنْكِرَ الِابْتِدَاءُ بِالْفَاءِ فَقَدَّمُوا مَفْعُولَ الْفِعْلِ الْمُوَالِي لَهَا فَكَانَتِ الْفَاءُ مُتَوَسِّطَةً كَمَا هُوَ شَأْنُهَا فِي نَسْجِ الْكَلَامِ وَحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ التَّقْدِيمِ حَصْرٌ. وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ والزجاج الْفَاء جزاءية دَالَّةً عَلَى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، تَقْدِيره: إِنْ كُنْتَ عَاقِلًا مُقَابِلَ قَوْلِهِ: أَيُّهَا الْجاهِلُونَ [الزمر: ٦٤] فَاعْبُدِ اللَّهَ، فَلَمَّا حُذِفَ الشَّرْطُ (أَيْ إِيجَازًا) عَوَّضَ عَنْهُ تَقْدِيمَ الْمَفْعُولِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ. وَعَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ الْفَاءُ مُؤْذِنَةٌ بِفِعْلٍ قَبْلَهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْمُوَالِي لَهَا، وَالتَّقْدِيرُ: اللَّهُ أَعْبُدُ فَاعْبُدْ، فَلَمَّا حُذِفَ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ حُذِفَ مَفْعُولُ الْفِعْلِ الْمَلْفُوظِ بِهِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِمَفْعُولِ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ.

وَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ عَلَى فَاعْبُدْ لِإِفَادَةِ الْقَصْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ [١٤] ، أَيْ أَعْبُدُ اللَّهَ لَا غَيْرَهُ، وَهَذَا فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ كَمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ [الزمر: ٦٤] .

وَالشُّكْرُ هُنَا: الْعَمَلُ الصَّالِحُ لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى إِفْرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ فَقَدْ تَمَّحَضَ مَعْنَى الشُّكْرِ هُنَا لِلْعَمَلِ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى وَالْقَوْلُ عُمُومُ الْخِطَابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ وَلِمَنْ قَبْلَهُ أَوْ فِي خُصُوصِهِ بِالنَّبِيءِ ﷺ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ كَالْقَوْلِ فِي لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ.

[٦٧]

[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٦٧]

وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)

لَمَّا جَرَى الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَنَّ لَهُ مَقَالِيدَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ مَلِكُ عَوَالِمِ الدُّنْيَا، وَذَيَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِدَلِيلِ الْوَحْدَانِيَّةِ هُمُ

Juz 24, hlm. 60 ›

الْخَاسِرُونَ، وَانْتَقَلَ الْكَلَامُ هُنَا إِلَى عَظَمَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَالَمِ الْأُخْرَوِيِّ الْأَبَدِيِّ، وَأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى مَلَكُوتِ الدُّنْيَا قَدْ خَسِرُوا بِتَرْكِ النَّظَرِ، فَلَوِ اطَّلَعُوا عَلَى عَظِيمِ مُلْكِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ لَقَدَّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ فَتَكُونُ الْوَاوُ عَاطِفَةً جُمْلَةَ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَى جُمْلَةِ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: ٦٣] وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَما قَدَرُوا اللَّهَ إِلَخْ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ، اقْتَضَاهَا التَّنَاسُبُ مَعَ جُمْلَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [الزمر: ٦٣] .

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢] فَتَكُونُ جُمْلَةُ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَجُمْلَةُ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ كِلْتَاهُمَا مَعْطُوفَتَيْنِ عَلَى جُمْلَةِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢] . وَالْمَعْنَى: هُوَ هُوَ، إِلَّا أَنَّ الْحَالَ أَوْضَحُ إِفْصَاحًا عَنْهُ.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ عَطْفَ غَرَضٍ عَلَى غَرَضٍ انْتَقَلَ بِهِ إِلَى وَصْفِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَحْوَالِ الْفَرِيقَيْنِ فِيهِ، وَجُمْلَةُ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ اعْتِرَاضًا، وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْجَاهِلِ بِعَظَمَةِ شَيْءٍ بِحَالِ مَنْ لَمْ يُحَقِّقْ مِقْدَارَ صُبْرَةٍ فَنَقَصَهَا عَنْ مِقْدَارِهَا، فَصَارَ مَعْنَى مَا قَدَرُوا اللَّهَ: مَا عَرَفُوا عَظَمَتَهُ حَيْثُ لَمْ يُنَزِّهُوهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنَ الشَّرِيكِ فِي إِلَهِيَّتِهِ.

وحَقَّ قَدْرِهِ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ مَا قَدَرُوا اللَّهَ قَدْرَهُ الْحَقَّ، فَانْتَصَبَ حَقَّ عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ.

وَجَمِيعٌ: أَصْلُهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِثْلَ قَتِيلٍ، قَالَ لَبِيدٌ:

عَرِيَتْ وَكَانَ بِهَا الْجَمِيعُ فَأَبْكَرُوا ... مِنْهَا وَغُودِرَ نُؤْيُهَا وَثِمَامُهَا

وَبِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ تَوْكِيدًا مِثْلَ (كُلٍّ) وَ (أَجْمَعَ) قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فِي سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ [٦] . وَقَدْ وَقَعَ جَمِيعاً هُنَا حَالًا مِنَ الْأَرْضُ وَاسْمُ الْأَرْضُ مُؤَنَّثٌ فَكَانَ تَجْرِيدُ (جَمِيعٍ) مِنْ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ جَرْيَا عَلَى الْوَجْهِ الْغَالِبِ فِي جَرَيَانِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ عَلَى مَوْصُوفِهِ، وَقَدْ تَلْحَقُهُ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:

Juz 24, hlm. 61 ›

فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةٌ ... وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا

وَانْتَصَبَ جَمِيعاً هُنَا عَلَى الْحَالِ مِنَ الْأَرْضُ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً [الزمر: ٤٤] .

وَالْقَبْضَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ الْمَرَّةُ مِنَ الْقَبْضِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فِي سُورَةِ طَهَ [٩٦] .

وَالْإِخْبَارُ عَنِ الْأَرْضِ بِهَذَا الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِاتِّصَافِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَإِنَّمَا صِيغَ لَهَا وَزْنُ الْمَرَّةِ تَحْقِيرًا لَهَا فِي جَانِبِ عَظَمَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا لَمْ يُجَأْ بِهَا مَضْمُومَةَ الْقَافِ بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمَقْبُوضِ لِئَلَّا تَفُوتَ الْمُبَالَغَةُ فِي الِاتِّصَافِ وَلَا الدَّلَالَةُ عَلَى التَّحْقِيرِ فَالْقَبْضَةُ مُسْتَعَارَةٌ للتناول اسْتِعَارَة تصريحية، وَالْقَبْضَةُ تَدُلُّ عَلَى تَمَامِ التَّمَكُّنِ مِنَ الْمَقْبُوضِ وَأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَا تَصَرُّفَ لَهُ وَلَا تَحَرُّكَ.

وَهَذَا إِيمَاءٌ إِلَى تَعْطِيلِ حَرَكَةِ الْأَرْضِ وَانْقِمَاعِ مَظَاهِرِهَا إِذْ تُصْبِحُ فِي عَالَمِ الْآخِرَةِ شَيْئًا مَوْجُودًا لَا عَمَلَ لَهُ وَذَلِكَ بِزَوَالِ نِظَامِ الْجَاذِبِيَّةِ وَانْقِرَاضِ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ الَّتِي كَانَتْ تَمُدُّ الْمَوْجُودَاتِ الْحَيَّةِ عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ.

وَطَيُّ السَّمَاوَاتِ: اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ لِتَشْوِيشِ تَنْسِيقِهَا وَاخْتِلَالِ أَبْعَادِ أَجْرَامِهَا، فَإِنَّ الطَّيَّ رَدُّ وَلَفُّ بَعْضِ شُقَقِ الثَّوْبِ أَوْ الْوَرَقِ عَلَى بَعْضٍ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَبْسُوطَةً مُنْتَشِرَةً عَلَى نَسَقٍ مُنَاسِبٍ لِلْمَقْصُودِ مِنْ نَشْرِهِ فَإِذَا انْتَهَى الْمَقْصُودُ طُوِيَ الْمَنْشُورُ، قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٤] . وَإِثْبَاتُ الطَّيِّ تَخْيِيلٌ.

وَالْبَاءُ فِي بِيَمِينِهِ لِلْآلَةِ وَالسَّبَبِيَّةِ. وَالْيَمِينُ: وَصْفٌ لِلْيَدِ وَلَا يَدَ هُنَا وَإِنَّمَا هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْقُدْرَةِ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَكُونُ بِالْيَدِ الْيَمِينِ قَالَ الشَّاعِرُ أَنْشَدَهُ الْفَرَّاءُ وَالْمُبَرِّدُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:

وَلَمَّا رَأَيْتُ الشَّمْسَ أَشْرَقَ نُورُهَا ... تَنَاوَلْتُ مِنْهَا حَاجَتِي بِيَمِينِ

Juz 24, hlm. 62 ›

Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →