التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
البلاغة:
﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ أي أصاب جنس الإنسان، وهو معطوف على قوله: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ لبيان تناقضهم، بمعنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مسهم ضرّ، دعوا من اشمأزوا من ذكره، دون من استبشروا بذكره، وما بينهما اعتراض مؤكد لإنكار ذلك عليهم.
﴿خَوَّلْناهُ﴾ أعطيناه وملكناه تفضلا ﴿نِعْمَةً﴾ إنعاما ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ على علم مني بوجوه كسبه، أو علم من الله بأني له أهل ومستحق، وضمير ﴿أُوتِيتُهُ﴾ عائد على النعمة، وذكّر الضمير، لأن المراد شيء من النعمة ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي بل النعمة امتحان له، أيشكر أم يكفر، وتأنيث هي مراعاة للفظ النعمة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن تخويل النعمة استدراج وامتحان. وهو دليل على أن المراد بالإنسان الجنس.
﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم كقارون وقومه الراضين بها، وأنث ضمير ﴿قالَهَا﴾ لأن المراد هو الجملة أو الكلمة التي هي: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من متاع الدنيا ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ جزاء سيئات أعمالهم وجزاء أعمالهم، وسماه سيئة، لأنه في مقابلة أعمالهم السيئة، رمزا إلى أن جميع أعمالهم كذلك ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالعتو ﴿مِنْ هؤُلاءِ﴾ المشركين، و ﴿مِنْ﴾ للبيان، أو للتبعيض ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ جزاء كسبهم كما أصاب أولئك، وقد أصابهم، فإنهم قحطوا سبع سنين، وقتل صناديدهم في بدر ﴿وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين عذابنا.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يوسعه ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ امتحانا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيقه لمن يشاء ابتلاء ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بأن الحوادث كلها من الله، سواء بالبسط أو بالتضييق.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى بعض قبائح المشركين، أتبعه بحكاية نوع آخر من القبائح، وهو أنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى الله تعالى، وفي حال النعمة وهي السعة في المال أو العافية في النفس، يزعمون أن
Juz 24, hlm. 30 ›
حصول ذلك بكسبهم وجهدهم وجدّهم، وهذا تناقض قبيح صارخ. والحقيقة أن ما أوتوه من النعمة فتنة واختبار ليعرف شكرهم أو كفرهم، وأما مقالتهم فهي قديمة قالها كثير قبلهم كقارون وغيره.
ثم أبان تعالى أن الله وحده مصدر الرزق، يوسعه لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، بدليل اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، سواء من المؤمنين والكافرين، وليس جمع الثروة أو ضعفها بعقل الرجل وجهله، أو كياسته وخبرته وغباوته، وإنما بتوفيق الله وتيسيره.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن سوء طبع الإنسان وحاله، فيقول:
﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا، ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا، قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي إذا أصاب الإنسان المشرك وغيره ضر من فقر أو مرض أو غيرهما، تضرع إلى الله ﷿، واستعان به لكشف الضر عنه، وإذا أعطاه الله نعمة من مال أو جاه أو غيرهما، بغى وطغى، وقال: إنما أعطيته على علم ومهارة مني بوجوه المكاسب، أو لما يعلم الله تعالى من استحقاقي وتأهلي له. قيل: نزلت في حذيفة بن المغيرة.
والحقيقة: ليس الإعطاء لما ذكرت، وليس الأمر كما زعمت، بل هو محنة لك، واختبار لحالك، وقد أنعمنا عليك بهذه النعمة لنختبرك فيما أنعمنا عليك، أتشكر أم تكفر؟ أتطيع أم تعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم من الله، وامتحان لما عندهم من الشكر أو الكفر، فلهذا يقولون ما يقولون، ويدّعون ما يدّعون.
ويلاحظ أن لفظ النعمة مؤنث، ومعناه مذكر، لذا حينما قال: ﴿بَلْ
Juz 24, hlm. 31 ›
هِيَ فِتْنَةٌ﴾ راعى التأنيث، وحينما قال: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾ راعى التذكير، وكلا الأمرين جائز.
ثم أوضح الله تعالى قدم مقالتهم وسبقهم بها، فقال:
﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي قد قال هذه المقالة أو الكلمة، وهي قولهم: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ وزعم هذا الزعم، وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم، كقارون وغيره، فما صح قولهم، ولم يغن عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئا، ولا نفعهم جمعهم المال الكثير، لذا قال تعالى:
﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي فحلّ بهم جزاء سيئات ما كسبوا من الأعمال، فعوقبوا في الدنيا كالخسف بقارون وبداره الأرض، وسيعاقبون أشد العذاب في الآخرة. ونظير الآية قوله تعالى عن قارون: ﴿قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي، أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً، وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص ٧٨/ ٢٨].
وقوله سبحانه: ﴿وَقالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥/ ٣٤].
ثم هدد الله تعالى وأوعد مشركي مكة بعقاب مماثل، فقال:
﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي والذين ظلموا من هؤلاء الموجودين من الكفار، ومنهم مشركو مكة، سيصيبهم أيضا وبال كسبهم الأعمال المنكرة، كما أصاب من قبلهم، من القحط والقتل والأسر والقهر، وما هم بفائتين على الله، هربا يوم القيامة، بل مرجعهم إليه، يصنع بهم ما يشاء من العقوبة، ودليل قدرته العظمى ما قال:
Juz 24, hlm. 32 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.