فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
· الطيبي
وقرئ: (كذاب)، (كذوب)، وكذبهم: قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء: بنات الله؛ ولذلك عقبه محتجًا عليهم بقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ ولَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح؛ لكونه محالًا، ولم يتأت إلا أن يصطفي من خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم، كما يختص الرجل ولده ويقربه، وقد فعل ذلك بالملائكة، فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم، فزعمتم أنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكذبهم: قولهم في بعض ما تخذوا)، يعني: وضع ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ موضع ضمير المتخذين -بكسر الخاء-، والمتخذ -بالفتح- بعض ما اتخذوه، وهو الملائكة والمسيح واللات والعزى، كما سبق.
قوله: (فافتتنتم به)، افتتن الرجل وفتن فهو مفتون: إذا أصابه فتنة فذهب ماله وعقله.
وتقرير المسألة على ما قال صاحب "التقريب": لو أراد اتخاذ الولد لم يصح إلا أن يصطفي بعض خلقه، وقد اصطفى الملائكة وشرفهم، فغركم اختصاصه فزعمتم أنهم أولاده بل بناته فكنتم كذابين. وفي تحقيق معنى التلازم ونفي اللازم أو إثبات الملزوم على ما قرر نظر، فالأولى ما قيل: لو أراد يتخذ ولدًا كما زعمتم لاختار الأفضل لا الأنقص وهن الإناث.
وقلت: مراد المصنف: أن مؤدى ﴿لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ في هذا المقام مؤدى قولنا: لامتنع، ولم يصح، إلى آخره. والاستثناء في قوله: "ولم يتأت إلا أن يصطفي" على أسلوب قول لبيد:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم .... بهن فلول من قراع الكتائب
أراد: ليس فيهم عيب البتة، فوضع "غير أن سيوفهم بهن فلول" موضعه، أي: لو كان هذا عيبًا فهم موصوفون به، فإذن لا عيب فيهم، وكذلك المعنى: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا
Juz 13, hlm. 338 ›
أولاده، جهلًا منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض، كأنه قال: لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه؛ وهم الملائكة، إلا أنكم لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولادًا، ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم فجعلتموهم بنات، فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء على الله وملائكته، غالين في الكفر، ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ فنزه ذاته عن أن يكون له أحد ما نسبوا إليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لاصطفى من خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم كما يختص الرجل ولده ويقربه، وقد فعل ذلك بالملائكة، ولا خفاء أن هذا الاصطفاء ليس من اتخاذ الولد في شيء، فإذا محال أن يتخذ ولدًا. تلخيصه: أنه لو أراد أن يتخذ ولدًا لكان الطريق إلى ذلك ما يمتنع أن يكون طريقًا وهو اصطفاء الملائكة، وإليه أشار بقوله: "لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل"، ونظيره من حيث المبالغة قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ قال: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] موضع ذلك؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل. وقال الإمام: المعنى لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لما رضى إلا بالأكمل وهو الابن، فكيف نسبتم إليه البنت؟ كقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء: ٤٠] تم كلامه.
فإن قيل: الكلام غير وارد في اتخاذ الإناث حتى يرد إلى الذكور، بل في نفي الولد مطلقًا. قلت: إذن لا ينبغي أن يكون المفروض في قوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ الملائكة، بل غيرهم ممن هو أعلى مرتبة منهم وأقرب نسبة إلى الله وإلى الألوهية؛ ليصح الترقي من اتخاذ الملائكة والمسيح ولدًا إليهم، ولهذا جيء بالتنزيه والتوحيد الصرف، وتم المعنى بوصف القهارية وكلمه بدليلي الآفاق والأنفس، يعني: قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية. ثم بين غناه عن الخلق بقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾.
Juz 13, hlm. 339 ›
من الأولاد والأولياء. ودل على ذلك بما ينافيه؛ وهو أنه واحد، فلا يجوز أن يكون له صاحبه؛ لأنه لو كانت له صاحبة لكانت من جنسه، ولا جنس له؛ وإذا لم يتأت أن يكون له صاحبة؛ لم يتأت أن يكون له ولد، وهو معنى قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهث صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. وقهار: غلاب لكل شيء، ومن الأشياء آلهتهم، فهو يغلبهم، فكيف يكونون له أولياء وشركاء؟
[﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ ويُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ﴾ ٥]
ثم دل بخلق السماوات والأرض، وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر، وتسخير النيرين، وجريهما لأجل مسمى، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة، وخلق الأنعام، على أنه واحد لا يشارك، قهار لا يغالب. والتكوير: اللف واللي، يقال: كار العمامة على رأسه، وكورها. وفيه أوجه؛ منها: أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا، وإذا غشي مكانه فكأنهما ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس، ومنه قول ذي الرمة في وصف السراب:
تلوي الثنايا بأحقيها حواشيه .... لي الملاء بأبواب التفاريج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تلوي الثنايا بأحقيها)، البيت. الثنية: العقبة، والثنايا: جمع، والحقو: الخصر مشد الإزار. حواشيه: جوانب السراب، والملاء جمع ملاءة، وهي: الجلباب، والتفراج -بالجيم- الباب الصغير، وجمعه التفاريج. يقول: تلوي الهضاب بأوساطها حواشي السراب مثل لي المرط بأبواب الدار، وليها بالدار هو أن لا يطرد اطرادًا.
والحاصل أن الآية تحتمل ثلاثة أوجه من التشبيه:
أحدها: أن يكون من تشبيه المحسوس بالمحسوس، والوجه أمور، ولكن في حكم واحد وهو تشبيه الهيئة الحاصلة من اختلاط الليل بالنهار عند طلوع الفجرين وظهور
Juz 13, hlm. 340 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.