التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ أي فاهتداؤه نفع به نفسه. ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ على نفسه، أي فإن وباله لا يتخطاها. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي بموكّل عليهم لتجبرهم على الهدى، بل عليك البلاغ فحسب.
﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ يقبضها عند انتهاء آجالها. ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ أي ويتوفى غير الميتة وقت النوم، وهي التي لم يحضر أجلها، يتوفاها في منامها. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ ولا يردها إلى البدن الذي خرجت منه. ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ أي النائمة. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى وقت موتها. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور من التوفي والإمساك والإرسال.
﴿لَآياتٍ﴾ دلالات على كمال قدرة الله وحكمته. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في الحياة والموت، فيعلمون أن القادر على ذلك قادر على البعث، وقريش لم يتفكروا في ذلك.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ بل اتخذت قريش. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ أي اتخذوا الأصنام آلهة عند الله بزعمهم، تشفع لهم عند الله. ﴿قُلْ: أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً﴾ قل لهم: أيشفعون، ولو لم يملكوا الشفاعة وغيرها؟ لا ﴿وَلا يَعْقِلُونَ﴾ أنكم تعبدونهم، ولا يعقلون غير ذلك.
﴿قُلْ: لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾ أي هو مختص بها ومالك الشفاعة كلها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه، ولا يستقل بها أحد. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مالك الملك كله، لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيكون الملك له أيضا حينئذ. ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ أي دون آلهتهم. ﴿اِشْمَأَزَّتْ﴾ نفرت وانقبضت، والاشمئزاز: أن يمتلئ غما، فيحدث انقباض في القلب، وضيق في النفس، يظهر أثره في الوجه ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي الأصنام. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ الاستبشار: امتلاء القلب سرورا، حتى تنبسط له بشرة الوجه.
ويستبشرون هنا لفرط افتتانهم بالأصنام ونسيانهم حق الله تعالى.
﴿اللهُمَّ﴾ أي يا الله. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعها. ﴿عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ ما غاب وما شوهد. ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي فأنت وحدك تقدر أن تحكم بيني وبينهم، في أمر الدين، اهدني لما اختلفوا فيه من الحق. ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ سيئات أعمالهم أو كسبهم حين تعرض صحائفهم. ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ وأحاط بهم جزاؤه.
Juz 24, hlm. 19 ›
سبب النزول:
نزول الآية (٤٥):
﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ﴾: أخرج ابن المنذر عن مجاهد أنها نزلت في قراءة النبي ص النجم عند الكعبة وفرحهم عند ذكره الآلهة. أي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى، وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى.﴾. الآيات من سورة النجم [١٩ - ٢٣].
المناسبة:
بعد بيان أدلة وحدانية الله وقدرته، وتوضيح فساد مذاهب المشركين بالأدلة والبراهين، وإتباعه بالوعد والوعيد، سرّى الله عن قلب نبيه ص ضيقه وانزعاجه لإصرارهم على الكفر، وأزال عنه الخوف، فأعلمه بإنزال القرآن العظيم عليه بالحق لنفع الناس واهتدائهم به، وهذا أول مظاهر قدرته. ثم أتبعه بمظهرين آخرين للقدرة هما قبضه الأرواح بانتهاء آجالها، وكونه مالك الشفاعة، ثم ذكر بعدهما بعض قبائح المشركين وعيوبهم واشمئزازهم من ذكر الله.
ثم أردف كل ذلك بأمور ثلاثة:
الأول-ذكر الدعاء العظيم المتضمن وصف الله بالقدرة التامة في قوله:
﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم وصفه بالعلم الكامل في قوله ﴿عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾.
الثاني-ظهور أنواع من العقاب لم تكن في حسابهم في قوله: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾.
الثالث-ظهور آثار تلك السيئات التي اكتسبوها في قوله: ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾.
Juz 24, hlm. 20 ›
التفسير والبيان:
يخاطب الله رسوله محمدا ص بقوله:
﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي إنا نحن رب العزة وإله الكون نزّلنا عليك يا محمد القرآن العظيم، لأجل الناس، أي والجن، ولبيان ما كلّفوا به، وإنذارهم به، أنزله ربك مقرونا مصحوبا بالحق ملتبسا به، وهو دين الإسلام. قال الزمخشري: ﴿لِلنّاسِ﴾ لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه، ليبشّروا وينذروا، فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية، ولا حاجة لي إلى ذلك فأنا الغني، فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه، ومن اختار الضلالة فقد ضرها (¬١)، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي فمن عرف طريق الحق وسلكها، فاهتداؤه لنفسه، ويعود نفع ذلك إلى نفسه، ومن حاد عن طريق الحق، فضلاله على نفسه، ويرجع وبال ذلك على نفسه، وما أنت أيها الرسول بموكل أن يهتدوا، ولا بمكلف في حملهم على الهداية، بل عليك البلاغ، وقد فعلت، كقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود ١٢/ ١١] وقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد ٤٠/ ١٣] وقوله ﷿: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢].
ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من أنواع قدرته وتصرفه في الوجود، بعد إنزال القرآن، فقال:
﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ أي إن الله هو
Juz 24, hlm. 21 ›
Pembahasan ayat ini masih 4 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.