تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولُوا﴾ مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
تنبيه: قال ابن هشام في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنوي كالثابت، ويسمى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ،﴾ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا،﴾ ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ إذ المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم، وأوقعوا الأكل والشرب، وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك، ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة القصص الآية رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي..﴾. ألا ترى: أنه ﵊ إنما رحمهما؛ إذ كانتا على صفة الذياد، وقومهما على السقي، لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من قولها: (نسقي) السقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل؛ قدّر: يسقون إبلهم، تذودان غنمهما، ولا نسقي غنمنا. انتهى.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ الإيمان الصحيح، وهو:
الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان.
قال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة هي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى: الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر.
﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ:﴾ خافوه، واعبدوه، فهو أمر من التقوى، وهي: حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من: الوقاية، وهي: الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة) وأصل: «اتقوا»: اوتقوا، قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء مثل: اتصل،
Juz 8, hlm. 215 ›
أصله: اوتصل. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄-المراد بهذا الأمر جعفر بن أبي طالب، والذين خرجوا معه إلى الحبشة. والأولى التعميم. وإن كان السبب خاصا؛ فقد كان الغرض منها التأنيس لهم، والتنشيط للهجرة. هذا؛ وانظر: (قهم) في الآية رقم [٩] من سورة (غافر) وخذ ما يلي، وهو قول الشاعر: [الطويل]
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التّقى... تقلّب عريانا ولو كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربّه... ولا خير فيمن كان لله عاصيا
ولأبي الدرداء-﵁: [الوافر]
يودّ المرء أن يعطى مناه... ويأبى الله إلاّ ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي... وتقوى الله أكبر ما استفادا
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أي: للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنة في الآخرة. وقيل: المعنى للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في الدنيا، تكون زيادة على ثواب الآخرة، والحسنة الزائدة في الدنيا: الصحة، والعافية، والعز، والرفعة، ينالها المؤمن إذا شكر تلك النعم، وقد تكون الحسنة في الدنيا: الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجزاء. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٨] من سورة (الصافات) فهو جيد.
﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يعني: ارتحلوا من مكة. وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي. وقيل: المراد: من أمر بالمعاصي في بلد؛ فليهرب منه. وقيل: المراد: أرض الجنة؛ رغبهم في سعتها، وسعة نعيمها، كما قال تعالى:
﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ رقم [١٣٣] من سورة (آل عمران)، والجنة قد تسمى أرضا، قال تعالى: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. إلخ رقم [٧٤] الآتية. والأول أظهر، فهو أمر بالهجرة. انتهى. قرطبي.
﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ:﴾ على البلاء، والطاعات، وعن المعاصي. وقيل: المراد هنا:
الصائمون بدليل الحديث القدسي عن رب العزة: «كلّ عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به». ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ بغير وزن، ولا كيل، ولا عدد، ولا مقياس، وإنما يحثى حثوا، ويغرف غرفا. وقال قتادة: لا والله ما هناك مكيال، ولا ميزان، حدثني أنس بن مالك ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «تنصب الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصدقة، فيوفّون أجورهم بالموازين، وكذلك الصلاة والحجّ، ويؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصبّ عليهم الأجر بغير حساب، قال تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حتى يتمنى أهل العافية في الدّنيا أنّ أجسادهم تقرض بالمقاريض، ممّا يذهب به أهل
Juz 8, hlm. 216 ›
البلاء من الفضل». هذا، وعن ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ قال: «يؤتى بالشهيد يوم القيامة فيوقف للحساب، ثم يؤتى بالمتصدّق، فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينصب لهم ديوان، فيصبّ عليهم الأجر صبّا؛ حتّى إنّ أهل العافية ليتمنّون في الموقف: أنّ أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله». رواه الطبراني في الكبير، وانظر ما ذكرته في آية (السجدة) رقم [٢٤].
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف، تقديره:
لهم. (يا): أداة نداء، تنوب مناب: أدعو. (عبادي): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقول المقدر، ومقوله في محل نصب مقول القول لقول آخر محذوف، وتقدير الكلام: قل لهم: ربكم يقول: يا عبادي، وهذا التقدير يرفع اللبس والإبهام المترتبين على هذا التركيب. ﴿الَّذِينَ:﴾
اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة، أو بدل من (عبادي)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَحْسَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، التقدير: أحسنوا العمل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي هذِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أن حسنة هي الجنة، والجزاء في الآخرة، أو هما متعلقان ب: ﴿حَسَنَةٌ﴾ على القول بأنها في الدنيا.
﴿الدُّنْيا:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل للأمر، وهي من جملة مقول القول. ﴿وَأَرْضُ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أرض): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿واسِعَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول على الوجهين المعتبرين في الواو.
﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يُوَفَّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الصّابِرُونَ:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿أَجْرَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:
﴿أَجْرَهُمْ،﴾ و (غير) مضاف، و ﴿حِسابٍ﴾ مضاف إليه؛ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
Juz 8, hlm. 217 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.