تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. قال: الأيدى: القوةُ في طاعةِ اللهِ. ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: البصرِ بعقولِهم في دينِهم (¬١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. قال: الأيدى: القوةُ، والأبصارُ: العقولُ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما الأيدى من القوةِ، والأيدى إنما هي جمعُ يدٍ، واليدُ جارحةٌ؟ وما العقولُ من الأبصارِ، وإنما الأبصارُ جمعُ بصرٍ؟ قيل: إن ذلك مَثَلٌ. وذلك أن باليدِ البطشَ، وبالبطشِ تُعرَفُ قوَّةُ القَوِيِّ؛ فلذلك قيل للقويِّ: ذو يَدٍ. وأما البصرُ فإنه عنَى به بصرَ القلبِ، وبه تُنالُ معرفةُ الأشياءِ، فلذلك قيل للرجلِ العالمِ بالشيءِ: بصيرٌ به. وقد يُمكِنُ أن يكونَ عنَى بقولِه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾: أولى الأيدى عندَ اللهِ بالأعمالِ الصالحةِ. فجعَل اللهُ أعمالَهم الصالحةَ التي عمِلوها في الدنيا أيديًا لهم عندَ اللهِ، تمثيلًا لها باليدِ تكونُ عندَ (¬٢) الرجلِ لآخرَ.
وقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرؤُه: (أُولى الأَيدِ) بغيرِ ياءٍ (¬٣). وقد يحتمِلُ أن يكونَ ذلك من التأييدِ، وأن يكونَ بمعنى الأيدى، ولكنه أسقَط منه الياءَ، كما قيل: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]. بحذفِ الياءِ (¬٤).
وقولُه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا خصَصْناهم بخاصةٍ ذكرى الدارِ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ
Juz 20, hlm. 116 ›
المدينةِ: (بخالِصَةِ ذِكرَى الدَّارِ) (¬١). بإضافةِ "خالصةِ" إلى "ذكرى الدارِ". بمعنى أنهم أُخلِصوا بخالصةِ (¬٢) الذكرى، و"الذكرى" إذا قُرِئ كذلك غيرُ "الخالصةِ"، كما "المتكبرُ" إذا قُرِئ: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر: ٣٥]. بإضافةِ "القلبِ" إلى "المتكبرِ"، هو الذي له القلبُ وليس بالقلبِ. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ العراقِ: ﴿بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. بتنوينِ قولِه: "خالصةٍ"، وردِّ ﴿ذِكْرَى﴾ عليها (¬٣). على أن الدارَ هي الخالصةُ، فردُّوا "الذكرى" وهي معرفةٌ على "خالصةٍ" وهى نكرةٌ، كما قيل: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ﴾ [ص: ٥٥، ٥٦]. فردَّ "جهنمَ" وهى معرفةٌ على "المآب" وهى نكرةٌ (¬٤).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إِنَّا أخلَصْناهم بخالصةٍ هي ذكرى الدارِ، أي أنهم كانوا يُذَكِّرون الناسَ الدارَ الآخرةَ، ويَدْعُونهم إلى طاعةِ اللهِ، والعملِ للدارِ الآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: بهذه أخلَصَهم اللهُ، كانوا يَدْعون إلى الآخرةِ وإلى اللهِ (¬٥).
وقال آخرون: معنى ذلك أنه أخلَصهم بعملِهم للآخرةِ وذِكْرِهم لها.
Juz 20, hlm. 117 ›
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأَزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: بذكرِ الآخرة، فليس لهم همٌّ غيرُها (¬١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: بذكرِهم الدارَ الآخرةَ وعملِهم للآخرةِ (¬٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: إنا أَخْلَصناهم بأفضلِ ما في الآخرةِ. وهذا التأويلُ على قراءةِ من قرَأه بالإضافةِ، وأما القولان الأوَّلان فعلى تأويلِ قراءةِ من قرَأه بالتنوينِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: بأفضلِ ما في الآخرةِ، أخلَصْناهم به وأعطَيْناهم إياه. قال: والدارُ: الجنةُ. وقرَأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣]. قال: الجنةُ. وقرَأ: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. قال: هذا كلُّه الجنةُ. وقال: أَخْلَصناهم بخيرِ الآخرةِ (¬٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بخالصةٍ عقبى الدارِ.
Juz 20, hlm. 118 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.