تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
و «غلام» يطلق على الصبي دون البلوغ، وجمعه: غلمان، وغلمة، وأغلمة، كما يطلق على العبد، والأجير؛ وإن كانا كبيرين. هذا؛ وقد يقال للأنثى: غلامة، خذ قول الشاعر: [الطويل]
فلم أر عاما عوض أكثر هالكا... ووجه غلام يشترى وغلامه
هذا؛ وانظر شرح البشارة في الآية رقم [١١] من سورة (يس).
الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل مستتر، تقديره:
«هو» يعود إلى إبراهيم. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿ذاهِبٌ:﴾ خبرها وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وقدر الجلال قبلها جملة محذوفة كما يلي: فخرج من النار سالما، وقال... إلخ. وعليه؛ فالكلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلى رَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ذاهِبٌ،﴾ والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ السين: حرف استقبال يفيد تحقق الوقوع. (يهدين): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، وانظر إعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٠] من سورة (يس)، ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا، والكلام: ﴿رَبِّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، ﴿فَبَشَّرْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها.
وقيل: معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فاستجبنا له، فبشرناه. ﴿بِغُلامٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَلِيمٍ:﴾ صفة (غلام).
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ (١٠٢)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: فاستجبنا له دعاءه، ووهبنا له الغلام، فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى فيه مع أبيه في أمور دنياه، معينا له على أعماله، قال المفسرون: هو سن الثالثة عشرة، قاله الفراء، وغيره.
﴿قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ:﴾ رأى ذلك إبراهيم-﵇-ثلاث ليال متتابعات. أي: في المنام، وهذا من قبيل الوحي. قال محمد بن كعب القرظي-﵁:
Juz 8, hlm. 61 ›
كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى، أيقاظا، ورقودا، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم. وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال ﷺ: «إنّا معاشر الأنبياء تنام عيوننا ولا تنام قلوبنا». ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]
لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم
وقال ابن عباس-﵄: رؤيا الأنبياء وحي، واستدل بهذه الآية، ويقال: إن إبراهيم ﵇، رأى في ليلة التروية كأن قائلا يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح روّى في نفسه، أي: فكّر: أهذا الحلم من الله، أم من الشيطان؟ فسمّي يوم التروية، فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضا. وقيل له: الوعد، فلما أصبح؛ عرف: أن ذلك من الله، فسمّي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهمّ بنحره، فسمّي يوم النحر. وإنما ذكر بلفظ المضارع لتكرار الرؤيا.
﴿فَانْظُرْ ماذا تَرى:﴾ من الرأي، وإنما شاوره في ذلك، وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله، فيثبّت قدمه إن جزع، ويأمن عليه إن سلم، وليوطن نفسه عليه، فيهون عليه، ويكتسب المثوبة، بالانقياد له قبل نزوله. هذا؛ وقرئ: ﴿تَرى﴾ بقراآت كثيرة.
﴿قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أي: ما تؤمر به، فحذف الجار، كما حذف من قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي-﵁-وينسب لغيره: [البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
فوصل الفعل إلى الضمير، فصار: تؤمره، ثم حذفت الهاء، كقوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ أي: اصطفاهم. وإنما أجاب إسماعيل ﵇ بهذا الجواب؛ لأنه فهم من كلام أبيه: أنّه رأى: أنه يذبحه مأمورا به. أو علم: أن رؤيا الأنبياء حق، وأن مثل ذلك لا يقدمون عليه إلا بالأمر. ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ:﴾ على الذبح، أو على قضاء الله تعالى. والمعنى: امض لما أمرك الله به من ذبحي فستجدني إن شاء الله صابرا على تنفيذ أوامر الله تعالى، وهو جواب من أوتي الحلم، والصبر، وامتثال الأمر، والرضا بقضاء الله تعالى. وقد وفى بذلك، كما بينات الآيات التالية، ولذا مدحه الله بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ سورة (مريم) الآية رقم [٥٤].
﴿يا بُنَيَّ:﴾ تصغير: ابن، تصغير إشفاق، وإرفاق، لا تصغير تحقير، وإهانة، فأصل ابن: بنو، فلما صغر صار: (بنيو) فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون؛ قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم ألحقت به ياء المتكلم، فاجتمع ثلاث ياآت، فحذفت الثانية منهن؛ التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتي بها لغرض خاص، ولم
Juz 8, hlm. 62 ›
تحذف الثالثة التي هي ياء المتكلم؛ لأنها كلمة برأسها. هذا؛ ويقرأ بإسكان الياء، وكسرها، وفتحها في هذه الآية، وغيرها.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿بَلَغَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الغلام، الذي بشر به.
﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان، فإن المتبادر تعلقه بالفعل قبله، قال الزمخشري: ولا يتعلق ب: ﴿بَلَغَ﴾ لاقتضائه أنهما بلغا معا حد السعي، ولا ب: ﴿السَّعْيَ؛﴾ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، وإنما هي متعلقة بمحذوف على أن يكونا بيانا؛ أي: حالا، كأنه قيل: فلما بلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي، فقيل: مع من؟ فقيل: مع أعطف الناس عليه، وهو أبوه، أي: أنه لم يستحكم قوته بحيث يسعى مع غير مشفق. انتهى. مغني اللبيب لابن هشام. ﴿السَّعْيَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها من الإعراب، على اعتبار (لما) حرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). (يا):
أداة نداء تنوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الإدغام، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿فِي الْمَنامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَذْبَحُكَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿أَرى؛﴾ لأنها منامية، وهي تنصب مفعولين، كما رأيت في سورة (يوسف) وسورة (الأنفال)، وجملة: ﴿أَرى..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ماذا تَرى:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿ماذا تَعْبُدُونَ﴾ في الآية رقم [٨٣] بلا فارق، وهي هنا في محل نصب مفعول به للفعل: (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف التقدير:
وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا فانظر، والكلام كله في محل نصب مقول القول.
Juz 8, hlm. 63 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.