والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث.
﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أسرحكن): معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، والجملتان لا محل لهما؛ لأن الأولى لم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. هذا؛ وقرئ الفعلان بالرفع على الاستئناف. ﴿سَراحاً:﴾ مفعول مطلق، وهو اسم مصدر لأن المصدر «تسريح». ﴿جَمِيلاً:﴾ صفة: ﴿سَراحاً،﴾ وجملة: (تعالين...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مبتدأة، مثل الجملة الندائية قبلها.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩)﴾
الشرح: ففي هذه الآية وعد من العزيز القدير لنساء النبي ﷺ بأنهن إن أعرضن عن الحياة الدنيا وزينتها، وفضلن الآخرة عليها، وأردن طاعة الله، ورضين بالرسول ﷺ، وقنعن بما يقدم لهن من طعام، وكساء، ومسكن بأن الله أعد لهن في الآخرة الأجر العظيم، والخير العميم.
وتنكيره في الآية دليل على أنه لا يعرف قدره، ولا يحيط بكنهه عقل ولا سمع ولا بصر، قال تعالى في ثواب المؤمنين الصادقين: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة (السجدة) رقم [١٧].
هذا؛ وسبب نزول الآيتين الكريمتين: أن نساء النبي ﷺ سألنه من عرض الدنيا شيئا، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فهجرهن النبي ﷺ، وآلى أن لا يقربهن شهرا، ولم يخرج إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه؟ وكانوا يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فقال عمر-﵁: لأعلمن لكم شأنه. قال: فدخلت على رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: «لا». قلت: يا رسول الله! إني دخلت المسجد، والمسلمون يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل، فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: «نعم، إن شئت». فقمت على باب المسجد، وناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية رقم [٨٣] من سورة (النساء)، فكنت أنا استنبطت هذا الأمر، وأنزل الله آية التخيير انتهى.
خازن. ولم يذكر هذا غيره، ولم يذكر في تفسير الآية هناك.
عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: دخل أبو بكر-﵁-يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوسا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر-﵁-فاستأذن، فأذن له، فوجد رسول الله ﷺ جالسا ساكتا، وحوله نساؤه،
Juz 7, hlm. 473 ›
فقال لأبي بكر: لأقولن شيئا أضحك به النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، وهي زوجته، فضحك رسول الله ﷺ، فقال: «هن حولي، كما ترى يسألنني النفقة». فقام أبو بكر-﵁-إلى عائشة، فوجأ عنقها، وقام عمر-﵁-إلى حفصة، فوجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده! قلن: والله لا نسأل رسول الله شيئا أبدا ليس عنده.
ثم اعتزلهن شهرا، أو تسعا وعشرين، حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ﴾ إلى قوله تعالى ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمرا، أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك». قالت: وما هو يا رسول الله؟! فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله، ورسوله، والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت! قال: «لا تسألني امرأة منهنّ إلاّ أخبرتها، إنّ الله لم يبعثني معنّتا، ولا متعنّتا، ولكن بعثني معلّما ميسّرا». أخرجه مسلم، ولما قالت عائشة ما تقدم رؤي الفرح في وجهه ﷺ.
قال العلماء: وأما أمر النبي ﷺ عائشة أن تشاور أبويها؛ لأنه كان يحبها، وكان يخاف أن يحملها فرط الشباب على أن تختار فراقه، ويعلم من أبويها: أنهما لا يشيران عليها بفراقه.
هذا؛ ولما أخبر النبي ﷺ نساءه بذلك تابعن عائشة على اختيارها الله، ورسوله، والدار الآخرة.
فشكر الله اختيارهن، وكافأهن على ذلك حيث قصر نبيه عليهن، وحجر عليه التزوج بغيرهن حيث قال جل ذكره: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ..﴾. إلخ الآية رقم [٥٢] الآتية.
تنبيه: اختلف العلماء في هذا الخيار، هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار، أم لا؟ فذهب الحسن، وقتادة، وأكثر أهل العلم إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا؛ فارقهن، لقوله تعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بدليل أنه لم يكن جوابهن على الفور، وأنه قال لعائشة ﵂: لا تعجلي؛ حتى تستشيري أبويك، وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور، وذهب قوم إلى أنه كان تفويض الطلاق، ولو اخترن أنفسهن؛ كان طلاقا.
التفريع على حكم الآية: اختلف أهل العلم في حكم التخيير، فقال عمر، وابن مسعود، وابن عباس-﵃: إذا خير الرجل امرأته، فاختارت زوجها لا يقع شيء، وإن اختارت نفسها؛ يقع طلقة واحدة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، وسفيان، والشافعي، وأصحاب الرأي، إلا أن أصحاب الرأي يقع عندهم طلقة بائنة؛ إذا اختارت نفسها، وعند الآخرين رجعية، وأكثر أهل العلم على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء.
فعن مسروق-رحمه الله تعالى-، قال: ما أبالي خيرت امرأتي واحدة، أو مائة، أو ألفا بعد أن تختارني ولقد سألت عائشة، ﵂، فقالت: خيرنا رسول الله ﷺ، فما كان طلاقا.
وفي رواية: فاخترناه، فلم يعدّ ذلك شيئا.
Juz 7, hlm. 474 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.