الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر. هذا؛ ولم يرد لفعل الإرادة، ولا لفعل المشيئة أمر فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وقد كثر حذف مفعول هذين الفعلين حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه، ولكن ساحة الصّبر أوسع
وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» وليس كذلك.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر. ﴿الَّذِي:﴾
اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿ذَا﴾ أو بدل منها، وجوز أن يكون: ﴿مَنْ ذَا﴾ اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، و ﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿يَعْصِمُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سُوءاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه.
﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿وَلِيًّا﴾ أو ﴿نَصِيراً﴾ على التنازع، أو بمحذوف حال من أحدهما، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما تعلق به: ﴿لَهُمْ﴾. وأجيز اعتبار ﴿لَهُمْ﴾ مفعولا ثانيا، وهو وجه ضعيف. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيراً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَلا يَجِدُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً (١٨)﴾
الشرح: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ أي: المثبطين الناس عن رسول الله ﷺ، وهم عبد الله بن أبيّ وأصحابه المنافقون. هذا؛ والتعويق: المنع، والصرف، وهو للمبالغة. ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ﴾ من ساكني المدينة. ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ أي: ارجعوا إلينا، ودعوا محمدا ﷺ، فلا تشهدوا
Juz 7, hlm. 455 ›
معه الحرب، فإنا نخاف عليكم الهلاك، وما محمد، وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما؛ لالتهمهم أبو سفيان، وأصحابه! دعوا الرجل؛ فإنه هالك!.
والآية نزلت في المنافقين بلا ريب، وذلك: أن اليهود أرسلوا إليهم حين أقبلت قريش بحلفائها، وحاصروا المدينة المنورة، وقالوا لهم: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان، ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة؛ لم يستبقوا منكم أحدا، وإنا نشفق عليكم، فأنتم جيراننا، وإخواننا هلموا إلينا! فأقبل عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم، ويخوفونهم بأبي سفيان، ومن معه، وقالوا لهم ما تقدم، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانا، واحتسابا. ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ:﴾ ولا يحضرون القتال. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي: إلا زمانا، أو إتيانا قليلا. وقيل: إلا رياء، ومداراة للمؤمنين. والبأس: الحرب.
﴿هَلُمَّ:﴾ اسم فعل أمر، بمعنى: احضروا. وفيه لغتان: لغة أهل الحجاز، ولغة بني تميم، فأما لغة الحجاز، وبها جاء التنزيل، فإنها بصيغة واحدة للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، نحو: هلمّ يا زيد، هلمّ يا زيدان، هلمّ يا زيدون، هلمّ يا هندان، هلمّ يا هندات، وهي على هذه اللغة: اسم فعل أمر لعدم تغيرها، والتزمت العرب فيها فتح الميم على هذه اللغة، وهي حركة بناء، بنيت على الفتح تخفيفا. وأما لغة بني تميم، وقد نسبها الليث إلى بني سعد، فتلحقها الضمائر، كما تلحق سائر الأفعال، فيقال: هلمّا يا زيدان، هلمّوا يا زيدون، هلمّي يا هند، هلمّنّ يا هندات. وقال الفراء: يقال هلمّين يا نسوة، وهي على هذه اللغة فعل صريح لا يتصرف. هذا قول الجمهور، وقد خالف بعضهم في فعليتها على هذه اللغة، وليس بشيء، فالتزمت العرب فيها أيضا على لغة بني تميم فتح الميم؛ إذا كانت مسندة لضمير الواحد المذكر، ولم يجيزوا فيها ما أجازوه في:
ردّ، وشدّ، من الضم، والكسر. انتهى. جمل نقلا عن السمين، ومثله في قطر الندى، ولكنه أخصر.
هذا؛ وأصله عند البصريين: هالمّ من: لمّ إذا قصد، حذفت الألف لتقدير السكون في اللام، فإنه الأصل، وعند الكوفيين أصله: هل أمّ، فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام، وهو بعيد؛ لأن هل لا تدخل على الأمر، ويكون متعديا كما في آية الأنعام رقم [١٥٠]: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ..﴾. إلخ ولازما، كما في الآية التي بين أيدينا: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ والأولى بمعنى:
أحضروهم من الرباعي، وهنا بمعنى: احضروا من الثلاثي، أو بمعنى: تعالوا. وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضا، وحذف مفعوله، فإنه قال: هلمّوا إلينا، أي: قربوا أنفسكم إلينا. وأخيرا أقول: وهو جامد على الاعتبارين، لا يأتي منه مضارع، أو اسم مضارع، ولا ماض، ولا اسمه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق هنا. ومفيد للتكثير. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾
فاعله. ﴿الْمُعَوِّقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر
Juz 7, hlm. 456 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.