﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أي: للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ويقرأ الفعل: ﴿أُخْفِيَ﴾ بقراءات كثيرة. ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ أي: مما تقر به عيونهم، يحتمل أن تكون من القرار، وهو: السكون والهدوء، ويحتمل أن تكون من القر، وهو الأشهر، والقرّ: البرد؛ لأن العرب تتأذى بالحر، وتستريح إلى البرد، وأيضا: فإن دمع السرور بارد، ودمع الحزن ساخن، فمن هذا يقال: أقر الله عينك، وأسخن الله عين العدو، قال الشاعر: [الطويل] فكم سخنت بالأمس عين قريرة... وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب
وضعّف ناس هذا، وقالوا: الدمع كله حار، فمعنى «أقر الله عينه» أي: سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقر، وتسكن، وإذا أريد بهذه الجملة الدعاء؛ فيكون المعنى: أقر الله عينه، أي: أسكنها بالموت، فيكون الفعل من الأضداد، وفلان قرة عيني، أي: تسكن نفسي بقربه، قالت ميسون بنت بحدل الكلبية: [الوافر] ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
وقد وحد ﴿قُرَّةِ؛﴾ لأنه مصدر، والمصدر يصلح للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث، وإنما قال: ﴿أَعْيُنٍ﴾ وهو جمع قلة بخلاف عيون، وهو جمع كثرة؛ لأنه أراد أعين المؤمنين المخلصين، والمتقين الخاشعين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال تعالى:
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾.
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: جوزوا جزاء عظيما بسبب ما عملوا من الطاعات، فأخفى أولئك أعمالهم من أعين الناس، فأخفى الله جزاءهم، فلا يعلم مقداره ملك مقرب، ولا نبي مرسل. وفي معنى هذه الآية قال النبي ﷺ: «قال الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. خرجه الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي، ﵁. انتهى. قرطبي، وأسنده الخازن إلى أبي هريرة، ﵁، وقال: متفق عليه.
وقال ابن مسعود ﵁: في التوراة مكتوب: «على الله للّذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وقال ابن عباس ﵄: الأمر في هذا أجلّ وأعظم من أن يعرف تفسيره.
وعن أبي عبيدة-﵁-قال: قال عبد الله بن سلام-﵁: إنه مكتوب في التوراة: لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم
Juz 7, hlm. 406 ›
يخطر على قلب بشر، ولا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، قال: ونحن نقرؤها: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ..﴾. إلخ.
هذا؛ وقال الجمل-رحمه الله تعالى-: والمراد: لا تعلم نفس ما أخفي لهم علما تفصيليا، وإلا فنحن نعلم ما أعد الله للمؤمنين إجمالا من حيث: إنه غرف في الجنة، وقصور، وأشجار، وأنهار، وملابس، ومآكل، وحور عين، وغير ذلك. انتهى. أقول: وهذا تحدث عنه القرآن في كثير من السور. هذا؛ وذكرت في سورة (الزخرف) رقم [٧١] بحثا جيدا يتعلق ببلاغة القرآن، وفصاحته مع مقارنته بكلام الرسول ﷺ؛ الذي هو أفصح البشر على الإطلاق.
هذا؛ و ﴿أَعْيُنٍ﴾ جمع: عين، وهو جمع قلة كما رأيت، وجمع الكثرة: عيون، وأعيان، والثاني غير مشهور، وقليل الاستعمال، والمراد هنا: الأعين الباصرة، وتطلق العين على الماء الخارج من الأرض، وعلى الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة، أي:
جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه، وعين الشيء:
خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط] واستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهمو
فالمراد بالعين: ذاته. والمراد بجارية: عينه التي تجري بالدمع، والمراد بقوله: بها نقد الذهب، وهذا يسمى في فن البديع استخداما. وتطلق على المطر الهاطل من السحاب، قال عنترة: [الكامل] جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
هذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة ومن الأبوين.
الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (لا): نافية. ﴿تَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع.
﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُخْفِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها.
هذا؛ ويقرأ الفعل ببنائه للمعلوم على أن الفاعل يعود إلى: (الله)، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فلم تعلم نفس الذي، أو: شيئا أخفاه الله لهم، ويقرأ الفعل بصيغة المضارع: (نخفي) وعليه فالفاعل تقديره: «نحن»، والجملة صلة... إلخ، والتقدير: فلا تعلم نفس الذي، أو شيئا نخفيه لهم، كما يقرأ بصيغة المضارع المبني للمجهول (ما يخفى) هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ استفهامية مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، وذلك على اعتبار الفعل ماضيا، وفي محل نصب مفعول به مقدم على اعتبار الفعل مضارعا، والجملة على الاعتبارين في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿تَعْلَمُ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب ﴿ما﴾
Juz 7, hlm. 407 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.