تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
سورة (النّساء) رقم [١٥٧]: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك.
ومنع الله عيسى منهم، ورفعه إليه، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم، والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو معهم حول العرش، وصار إنسيّا ملكيّا أرضيّا سماويّا؛ حتّى ينزل آخر الزمان.
فعن أبي هريرة-﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والّذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم، حكما، عدلا، مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال؛ حتّى لا يقبله أحد». زاد في رواية: «حتى تكون السّجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها». ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ متفق عليه.
الإعراب: ﴿وَمَكَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال.
﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْماكِرِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، ولفظ الجلالة، الذي أعيد للتفخيم، والتعظيم.
﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ:﴾ اختلف المفسّرون في هذه الوفاة، فقال جماعة، منهم: قتادة، والضحاك، والفرّاء: هذا من المقدّم، والمؤخّر. تقديره: إني رافعك إليّ، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء في آخر الزمان، كقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ إذ التقدير: ولولا كلمة سبقت من ربّك، وأجل مسمّى؛ لكان لزاما. ومثل ذلك قول الأحوص-وهو الشاهد رقم [٦٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
ألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام
وأيضا قول حسّان-﵁-يهجو أبا سفيان وزوجه هندا بعد موقعة أحد: [الكامل]
لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر
وقال الحسن، وابن جريج: معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ:﴾ قابضك، ورافعك إلى السماء من غير موت، مثل: توفّيت مالي من فلان، أي: قبضته. وقال وهب بن منبه: توفّاه الله ثلاث ساعات
Juz 2, hlm. 111 ›
من أوّل النهار، ثم رفعه إلى السّماء، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النّوم، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٦٠]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾. وكان الرسول ﷺ يقوم إذا قام من النوم: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا». وعن ابن عباس ﵄-معنى متوفيك: مميتك. وهذا أضعف الأقوال، ولعل النسبة إليه ليست صحيحة. والحقّ: أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة، ولا نوم، كما قال الحسن، وابن زيد، وهو اختيار الطّبري، وهو الصّحيح عن ابن عباس، فترجع الوفاة إلى معنى القبض، وهو فحوى ما حكى الله في قوله في آخر سورة (المائدة): ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾.
وهناك قول بأن المعنى: موفيك أجرك غير منقوص.
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من سوء أعمالهم. وخبث صحبتهم. بمعنى: مخرجك من بينهم، ومنجّيك من كيدهم. ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي:
يغلبونهم بالحجّة، أو السيف في غالب الأمر، والّذين اتبعوا عيسى هم النصارى؛ الذين لم يغيّروا، ولم يبدّلوا، ويعتقدون: أنّه رسول الله، لا ابنه، ولكنّهم صاروا بعد ذلك شيعا، وفرقا ثلاثة، ثم صاروا اثنتين وسبعين فرقة. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (التوبة) فإنّه جيد. والحمد لله!.
هذا؛ وإن الذين اتبعوا عيسى بالتوحيد، وعدم الشرك هم المسلمون، فهم أحقّ بعيسى-﵇-في الدّنيا، والآخرة، وإنّه إذا نزل في آخر الزّمان يكون واحدا من أمّة محمد ﷺ كما أنّ المسلمين أحقّ بموسى-﵇-بدليل قول نبينا ﷺ لليهود حينما هاجر من مكّة المكرمة إلى المدينة، ورآهم يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صومه، فقالوا: هذا يوم صالح نجّى الله فيه بني إسرائيل، فصامه موسى شكرا لله، فنحن نصومه، فقال لهم ﷺ: «أنا أحق منكم بموسى». فصامه، وأمر بصيامه، ولذا عزّ المسلمون لتمسّكهم بالتوحيد الذي هو دين محمّد، ودين جميع الأنبياء، والمرسلين، وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وتحقّق لهم وعد الرسول ﷺ في غزوة الخندق، وهو تحقيق وعد الله لهم في الآية رقم [٥٥] من سورة (النور): ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بعيسى حقّا سلبوا النّصارى بلاد مصر، والشام... إلخ.
قال البيضاوي: -رحمه الله تعالى-: وإلى الآن لم يسمع غلبة اليهود على أتباع عيسى، ولم يتّفق لهم ملك، ودولة. انتهى. أقول: ولكن في هذه الآية قد قام لهم ملك، ودولة بمساعدة النّصارى أنفسهم، وبسبب تخاذل المسلمين، وتفرّقهم، وهجرهم تعاليم دينهم، وسنّة نبيهم، وما قام لهم في هذه الأيام إنما هو دليل قاطع على رسالة محمد ﷺ حيث أخبر بأنه سيقوم لهم ملك
Juz 2, hlm. 112 ›
ودولة، وذلك في قوله ﷺ: «تقاتلكم يهود، فتنصرون عليهم، حتى يقول الحجر والشّجر:
يا مسلم! هذا يهوديّ اختبأ ورائي تعال فاقتله». ومقاتلتهم المسلمين لا تكون إلا عن ملك، ودولة، كما هو الحال في هذه الأيام. متى يكون هذا النّصر؟ ذلك في علم الله، وأغلب الظن أنه لا يكون إلا بعد نزول عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
وأخرج مسلم-رحمه الله تعالى-من حديث النواس بن سمعان-﵁-قال: فبينما هما كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق.
وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ، قال: «ليس بيني، وبين عيسى نبيّ، وأنّه نازل، فإذا رأيتموه، فاعرفوه، فإنّه رجل مربوع إلى الحمرة، والبياض، ينزل بين ممصّرتين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدقّ الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله الملل في زمانه كلّها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفّى، ويصلّي عليه المسلمون». أخرجه أبو داود.
وأخبر الرسول ﷺ في حديث آخر: أن عيسى-﵇-هو الذي يقتل الدّجال الذي ينتظره اليهود، ويكونون جندا له. كما روي: أن عيسى يتزوّج، ويولد له ولدان، يسمّي أحدهما موسى، والآخر أحمد. ونقل بعضهم: أنّ عيسى ﵇ يدفن في حجرة النبي ﷺ، فيقوم أبو بكر وعمر-﵄-يوم القيامة بين نبيين: محمد، وعيسى، ﵉، والمعتمد: أنّ عيسى يمكث في الأرض سبع سنوات، ومكث ثلاثا وثلاثين قبل رفعه، فتكون مدة حياته في الأرض أربعين سنة. وهذا هو المعتمد إن شاء الله تعالى.
وفي حديث عند أبي داود: أربعين سنة، فيحتمل: أن المراد لبثه في الأرض قبل الرفع، وبعده. وروي: أن الله أرسل سحابة إلى عيسى، فرفعته، فتعلّقت به أمّه، وبكت، فقال لها: إنّ القيامة تجمعنا، وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس. والله أعلم.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: (﴿مَكَرُوا﴾)، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف. تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بهذا المقدّر. ﴿قالَ اللهُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (﴿عِيسى﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم المقدّر على الألف في محل نصب ب (يا). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿مُتَوَفِّيكَ:﴾ خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرافِعُكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله،
Juz 2, hlm. 113 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.