التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
موالاة الكافرين والتحذير من الآخرة
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)﴾
الإعراب:
﴿لا يَتَّخِذِ﴾ لا ناهية، فالفعل مجزوم، أو نافية، فالفعل مرفوع، وتكون الجملة خبرية في معنى النهي.
﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي ليس من دين الله أو ثواب الله في شيء، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ﴿مِنَ اللهِ﴾ في موضع نصب على الحال؛ لأن التقدير: فليس في شيء كائن من دين الله. فلما قدم صفة النكرة عليها انتصب على الحال. و ﴿فِي شَيْءٍ﴾: في موضع نصب، خبر ليس. و ﴿تُقاةً﴾ منصوبة على المصدر. وأصلها وقية فأبدل الواو تاء ومن الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تقاة.
﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ يوم: منصوب بفعل مقدر، وتقديره: اذكر يوم تجد كل نفس.
﴿وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ ما: إما بمعنى الذي، وهي معطوفة بالنصب على ﴿ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ﴾ وجملة: تودّ منصوبة على الحال، أو هي مرفوعة مبتدأ وخبره: ﴿تَوَدُّ﴾. وإما أن تكون ﴿ما﴾ شرطية مبتدأ، وعملت: فعل الشرط، و ﴿تَوَدُّ﴾: جواب الشرط خبر المبتدأ.
البلاغة:
يوجد طباق في ﴿تُخْفُوا﴾ و ﴿تُبْدُوهُ﴾، وفي ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ و ﴿مِنْ سُوءٍ﴾، وفي ﴿مُحْضَراً﴾ و ﴿بَعِيداً﴾.
Juz 3, hlm. 197 ›
المفردات اللغوية:
﴿أَوْلِياءَ﴾ مفرده ولي وهو النصير والمعين. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ أي يواليهم. ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ﴾ أي ليس من دين الله في شيء. ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ مصدر تقية، أي تخافوا مخافة، فلكم موالاتهم باللسان دون القلب. وهذا في حال ضعف المسلم بأن يكون في بلد ليس قويا فيها. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ يخوّفكم الله أن يغضب عليكم إن واليتموهم. ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ المرجع، فيجازيكم. ﴿مُحْضَراً﴾ حاضرا لديها. ﴿أَمَداً بَعِيداً﴾ الأمد: المدة التي لها حدّ محدود، والمراد: غاية في نهاية البعد، فلا يصل إليها. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ كرر للتأكيد.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٨):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد-وهؤلاء كانوا من اليهود-قد بطنوا (لازموا) بنفر من الأنصار، ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيتمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود، واحذروا مباطنتهم (ملازمتهم)، لا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا، فأنزل الله فيهم: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ.﴾. الآية.
أي أن هذه الآية نزلت في جماعة من المؤمنين كانوا يوالون رجالا من اليهود، فحذرهم جماعة من المؤمنين من تلك الموالاة أو المخالطة والمصاحبة، فأبوا النصيحة، وظلّوا على ملازمة اليهود ومباطنتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروي أيضا عن ابن عباس: نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري البدري النقيب، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النّبي ﷺ يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ الآية.
Juz 3, hlm. 198 ›
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أن الأمر بيد الله، وأنه مالك الملك، المعزّ والمذلّ، المعطي والمانع، وأنه على كلّ شيء قدير، نبّه المؤمنين إلى أنه يجب الالتجاء إليه وحده والاستعانة بأوليائه دون أعدائه، وأنه لا ينبغي لهم أن يوالوا أعداءه، أو يستعينوا بهم لقرابة أو صداقة قديمة.
وقد جاء في هذا المعنى آيات كثيرة، منها: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً﴾ [آل عمران ١١٨/ ٣]، ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة ٢٢/ ٥٨]، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١/ ٥]، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ [النساء ١٤٤/ ٤]، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ..﴾.
إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة ١/ ٦٠]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال ٧٣/ ٨].
وفي مقابل ذلك قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة ٧١/ ٩].
التفسير والبيان:
نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، ثم توعّد على ذلك بقوله:
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ فلا يحلّ للمؤمنين اتّخاذ الكافرين أولياء لقرابة أو صداقة أو جوار ونحو ذلك، يطلعونهم على أسرارهم، ويودونهم، ويقدمون مصلحتهم على مصلحة المؤمنين، وإن كان في ذلك مصلحة خاصة،
Juz 3, hlm. 199 ›
Pembahasan ayat ini masih 5 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.