تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
لمن طلل أبصرته فشجاني... كخطّ زبور في عسيب يماني
﴿وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ:﴾ الواضح. والكتاب: ما يتضمّن الشّرائع، والأحكام، ولذلك جاء الكتاب، والحكمة متعاطفين في كثير من الآيات القرآنية. وقيل: المراد بالزّبور: الصّحف المنزلة على الأنبياء، كصحف إبراهيم، وهي ثلاثون، وصحف موسى قبل التوراة، وهي عشرة، وكصحف شيث، وهي ستّون، وصحف إدريس، وهي عشرة، فجملة الصحف مائة وعشرة، تضمّ لها الكتب الأربعة: التوراة، والإنجيل، والزّبور، والقرآن، فجملة الكتب المنزلة على الأنبياء مائة وأربعة عشر، وسور القرآن مائة وأربع عشرة، لذا فقد حوى جميع ما نزل في الكتب التي نزلت على الأنبياء، ومثل هذه الآية الآية رقم [٢٥]: من سورة (فاطر).
الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم، ﴿كَذَّبُوكَ:﴾ فعل ماض مبني على الضمّ في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُذِّبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿رُسُلٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محلّ المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا فالجملة الفعلية تكون مفيدة للتعليل، ويكون التقدير: فإن كذبوك؛ فلا تحزن؛ لأنّه قد كذب
إلخ. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلٌ﴾ وهو أقوى من تعليقهما بالفعل: ﴿كُذِّبَ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿جاؤُ:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية لرسل، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾
متعلّقان بما قبلهما، أو بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿الْمُنِيرِ:﴾ صفة (الكتاب).
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾
الشرح: يخبر الله جلّت قدرته في هذه الآية، وفي سورة (الأنبياء) رقم [٣٥] إخبارا عامّا يعمّ جميع الخليقة بأنّ كلّ نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ فهو وحده الحيّ الذي لا يموت، والجنّ، والإنس يموتون، وكذلك الملائكة، وحملة العرش، وينفرد الواحد القهار بالدّيمومة، والبقاء، فيكون باقيا كما كان أزليّا قديما، وهذه الآية، وآية (الأنبياء) فيهما تعزية لجميع الناس، فإنّه لا يبقى أحد على وجه الأرض؛ حتّى يموت. ورحم الله من قال: [البسيط]
Juz 2, hlm. 333 ›
الموت باب وكلّ النّاس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار
الدّار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار
روى ابن أبي حاتم عن عليّ-﵁-قال: لمّا توفّي النّبيّ ﷺ. وجاءت التّعزية، جاءهم آت يسمعون حسّه، ولا يرون شخصه، فقال: السّلام عليكم أهل البيت، ورحمة الله وبركاته: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركا من كلّ فائت، فبالله ثقوا، وإيّاه فارجوا، فإنّ المصاب من حرم الثواب، والسّلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته. قال جعفر الصّادق-رحمه الله تعالى- فأخبرني أبي: أنّ علي بن أبي طالب-﵁، قال: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر ﵇.
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ:﴾ أبعد، وجنّب النّار. ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ أي: نجا من النّار، وظفر برضا الله، ورضوانه. هذا؛ والفعل «زحزح» يكون لازما ومتعديا، قال الشاعر في اللازم: [الطويل]
خليليّ ما بال الدّجى لا يتزحزح... وما بال ضوء الصّبح لا يتوضّح؟
وقال ذو الرّمّة في المتعدي: [البسيط]
يا قابض الرّوح عن جسم عصا زمنا... وغافر الذّنب زحزحني عن النّار
وروى النّسائيّ عن أبي هريرة-﵁-عن النبيّ ﷺ قال: «من صام يوما في سبيل الله؛ زحزح الله وجهه عن النّار سبعين خريفا».
﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: إنّ العيش في هذه الدّار الفانية يغرّ الإنسان بما يمنيه من طول البقاء، وسينقطع عن قريب. قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-هي متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، فأمّا من اشتغل بطلب الآخرة، فهي له متاع، وبلاغ إلى ما هو خير منها، وهذا بضم الغين، وهو بفتح الغين: الشيطان، كما في قوله تعالى: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ ومن قول العوام-وليس بشيء-: الغرور: ما تحمله المرأة أيام حيضها، أو نفاسها، ثم تلقيه في أماكن معروفة، وخذ ما يلي:
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله ﷿: «أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرءوا إن شئتم:
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ»﴾. أخرجه البخاريّ، وزاد الترمذي: «وفي الجنّة شجرة يسير الرّاكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا، وما فيها، واقرءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ..﴾. إلخ».
Juz 2, hlm. 334 ›
هذا؛ وقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرهما الحياة التي يحياها ابن آدم ب:
﴿الدُّنْيا؛﴾ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، كما جاء في الحديث الشريف، ورحم الله الحريري؛ إذ يقول: [الكامل]
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى، وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
ولقد أحسن من قال: [المتقارب]
هي الدّار دار الأذى والقذى... ودار الفناء ودار الغير
ولو نلتها بحذافيرها... لمتّ ولم تقض منها الوطر
أيا من يؤمّل طول الخلود... وطول الخلود عليه ضرر
إذا أنت شبت وبان الشبا... ب فلا خير في العيش بعد الكبر
هذا؛ والمتاع: كل شيء يتمتّع به الإنسان في دنياه، ويتلذّذ به من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، وولد، وزوجة، ولذا قال الرسول ﷺ: «الدّنيا متاع وخير متاعها المرأة الصّالحة» رواه مسلم، والنّسائيّ عن عبد الله بن عمر-﵄. وربّنا جلّت قدرته قال للكافرين:
﴿تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ وقال تعالى شأنه: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾.
هذا والتمتّع بالشّيء: التلذذ به، والانتفاع بفوائده، ومثله الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتّع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثمّ لمن تمتّع، واستمتع بالحرام. هذا؛ والمتعة بكسر الميم، وضمها: اسم للتمتّع، والزاد القليل، وما يتمتّع به من الصّيد، والطعام. ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وإزار، وملحفة. قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ والتمتّع بالمرأة إلى أجل معلوم بيّنت فساده في أول سورة (المؤمنون) وفي سورة (المعارج) وبالله التوفيق.
قال الزّمخشري-رحمه الله تعالى-: شبّه الدّنيا بالمتاع الذي يدلّس به على المستام، ويغرّ؛ حتّى يشتريه، والشّيطان هو المدلّس، والغرور. انتهى. أي: فهو من باب الاستعارة، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾.
الإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، ﴿ذائِقَةُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْمَوْتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر تقديره:
هي، وقرئ بتنوين («ذائقة») ونصب («الموت»). والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِنَّما:﴾
Juz 2, hlm. 335 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.