تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، مبنيّة على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿بَخِلُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بما قبله، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿سَيُطَوَّقُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِلّهِ﴾): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم.
﴿مِيراثُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٥٣].
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾
الشرح: مناسبة الآيات لما قبلها ظاهرة، وذلك بعد أن انتهى الاستعراض القرآني لمعركة أحد، وما فيها من عبر، وعظات، وتناولت الآيات ضمن ما تناولت مكائد المنافقين، ودسائسهم، وما انطوت عليه نفوسهم من الكيد للإسلام، والغدر بالمسلمين، وتثبيط عزائمهم عن الجهاد في سبيل الله؛ أعقبه الله بذكر دسائس اليهود الخبيثة، وأساليبهم الشنيعة في محاربة الدّعوة الإسلاميّة عن طريق التشكيك، والبلبلة، والكيد، والدسّ؛ ليحذّر المؤمنين من خطرهم، كما حذّرهم من المنافقين. والآيات الكريمة تتحدّث عن اليهود، وموقفهم المخزي من الذّات الإلهية، وأنّها تهم لله ﷿-بأشنع الاتهامات بالبخل، والفقر، ثم نقضهم للعهود، وقتلهم للأنبياء، وخيانتهم للأمانة؛ التي حمّلهم الله إيّاها، إلى آخر ما هنالك من جرائم، وشنائع اتّصف بها هذا الجنس الملعون. صفوة التفاسير.
سبب النزول روي: أنّ النبي ﷺ أرسل مع أبي بكر-﵁-كتابا إلى يهود بني قينقاع، يدعوهم فيه إلى الإسلام، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، فقال «فنحاص» اللّعين-وكان من علمائهم، ومعه حبر آخر يقال له: أشيع-: إنّ الله فقير حتى سأل القرض؟ فلطمه أبو بكر-﵁-على وجهه، وقال: لولا ما بيننا من العهد؛ لضربت عنقك! فشكاه إلى رسول الله ﷺ، وجحد ما قاله، فنزلت الآية الكريمة، في تصديق الصّدّيق-﵁-وتكذيب «فنحاص». ومثل هذه الآية من قولهم الشنيع الآية رقم [٦٧]:
من سورة (المائدة): ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ..﴾. إلخ.
Juz 2, hlm. 326 ›
﴿لَقَدْ سَمِعَ..﴾. إلخ: المعنى: لم يخف عليه ما قالوه، وأنّه سبحانه أعدّ لهم العقاب الشديد، والعذاب الأليم. هذا؛ و: سمع، يسمع من الأفعال الصّوتية، إن تعلّق بالأصوات؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذّوات؛ تعدّى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعليّة مصدّرة بمضارع من الأفعال الصّوتية. مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسيّ.
واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، مثل قولك: سمعت زيدا يقول كذا، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.
﴿قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ:﴾ انظر الآية رقم [٦] من سورة (النساء) لشرح (الفقير). ﴿وَنَحْنُ أَغْنِياءُ:﴾
قالوا ذلك تمويها على ضعفائهم، لا أنّهم يعتقدون هذا، وغرضهم تشكيك الضعفاء من المؤمنين، وتكذيب النبيّ ﷺ أي: إنه فقير على قول محمّد؛ لأنه اقترض منّا. ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ:﴾ سنجازيهم عليه. وقيل: معناه: سنكتبه في صحائف أعمالهم، وهو كقوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ والكاتبون للأعمال هم الملائكة الموكّلون بذلك، والله هو الآمر بالكتابة، فأسند إليه الفعل مجازا، والموجودون في زمن الرسول ﷺ لم يقتلوا الأنبياء، وإنّما نسب لهم القتل لرضاهم له، ولما بينهم وبين أصولهم من الخبث، والمكر، والخداع، وسوء الطّباع، فلذا صحّت الإضافة إليهم؛ لأنّ الرضا بالمعصية معصية، فقد روي: أن رجلا حسّن عند الشّعبيّ قتل عثمان-﵁، فقال له الشّعبيّ: شركت في دمه. فجعل الرّضا بالقتل قتلا. وقد روى أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي-﵁ عن النبي ﷺ: «إذا عملت الخطيئة في الأرض؛ كان من شهدها، فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها، فرضيها؛ كان كمن شهدها». ﴿وَنَقُولُ:﴾ لهؤلاء الّذين قالوا هذه المقالة: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: فننتقم منهم، ونقول لهم. وانظر ﴿ذُوقُوا﴾ في الآية رقم [١٠٦].
هذا؛ والقول يطلق على خمسة معان، أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾. الثالث:
الحركة، والإمالة، يقال: قالت النّخلة؛ أي: مالت. الرابع: يشهد به الحال، كما في قوله تعالى في سورة (فصلت): ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ..﴾. الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول الأشاعرة، وهذه مقالة المعتزلة، أي: ما يعتقدونه.
هذا، وأمّا الكلام بالنسبة إلى البشر؛ فيدلّ على أحد ثلاثة أمور:
أولها: الحدث الذي يدلّ على لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، وتريد: تكليمك إيّاه، وقال الشاعر: [البسيط]
قالوا كلامك هندا وهي مصغية... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا
Juz 2, hlm. 327 ›
وثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكلّ ما يعبّر عنه باللفظ لإفادة السّامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيّلته: كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التّغلبي: [الكامل]
لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا
ثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال، انظر إلى قول العرب: «القلم أحد اللسانين» وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: «كلام الله»، ثم انظر إلى قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (التوبة): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلّت حكمته في هذه السورة: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾. ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي؛ الذي نفى عن محبوبته الكلام اللفظي، وأثبت لعينها القول، والكلام: [الطويل]
أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
والدليل عليه فيما نطق به الحال قول نصيب: [الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقال تعالى في سورة (فصلت) حكاية عن قول السّماء، والأرض: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ فقال قوم من العلماء: إنّهما تكلّمتا حقيقة، وقال آخرون: إنّهما لمّا انقادتا لأمر الله ﷿؛ نزّل ذلك منزلة القول والكلام. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَمِعَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿قَوْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جرّ بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها صلة الموصول لا محلّ لها، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ مبتدأة، أو جواب لقسم محذوف، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿فَقِيرٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿نَحْنُ﴾): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَغْنِياءُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وفيها معنى التأكيد للجملة قبلها.
Juz 2, hlm. 328 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.