تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: صرفكم عنهم ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: في الجبل هاربين من أعدائكم.
وقرأ الحسن وقتادة: ﴿إِذْ تَصْعِدُونَ﴾ أي: في الجبل، ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب، ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي: وهو قد خلفتموه وراء طهوركم، يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرّة.
قال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة، فقاموا عليها. فجعل [¬١] الرسول ﷺ يدعو الناس: "إليّ عباد الله! إلى عبادَ الله! ". فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (¬٤٠٠).
وكذا قال ابن عباس (¬٤٠١) وقتادة (¬٤٠٢) والربيع (¬٤٠٣) وابن زيد (¬٤٠٤).
وقد [¬٢] قال عبد الله بن الزبعرى: يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها:
يَا غُرَابَ الْبَيِنْ أسْمَعْتَ فَقُلْ … إنَّما [تَنْطِقُ شَيئًا قَدْ] [¬٣] فُعِلْ
إن للخيرِ وللشرِّ مدى … وكلا ذلَك وجه وقَبَل
إلى أن قال:
ليت أشياخي ببدر شهدوا [¬٤] … جَزَعَ الخزرج من وَقِعِ الأَسَل
Juz 3, hlm. 216 ›
حين حكَّت [¬١] بقباءٍ بَرْكَهَا … واستحرَّ القتلُ في عبدَ الأَشَل
ثم خَفُّوا [¬٢] عِندَ ذاكم رُقَّصا … رَقَصَ الحفانِ [¬٣] يعلو في الجَبَل
فقتلنا الضعف من أشرافِهم … وعَدَلْنا ميلَ بدرٍ فاعتدل
الحفان [¬٤]: صغار النعم.
وقد كان النبي ﵌ قد أفرد في اثني عشر رجلًا من أصحابه، كما قال الإِمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، أن البراء بن عازب ﵁ قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير؛ فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"] [¬٥] قال فهزموهم، قال: فأنا [¬٦] والله، رأيت النساء يشتددن على الجبل، وقد بدت [¬٧] أسْوقُهنّ وخَلاخلهُنّ، رافعات ثيابهنّ. فقال أصحاب عبد الله: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله [بن جبير] [¬٨]: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ فقالوا: إنا والله لنأتين [¬٩] الناس، فلنصيبن [¬١٠] من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه: سلم إلا اثنا عشر رجلًا فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا.
قال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ ثلاثًا - قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتلوا وقد كُفِيتُموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد [أبقى اللَّه] [¬١١] لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز
Juz 3, hlm. 217 ›
: اعل هبل اعل هبل. فقال رسول الله ﷺ: "ألا تجيبونه [¬١] ". قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجلّ" قال: لنا العزَّى ولا عزَّى لكم. قال رسول الله ﷺ: "ألا تجيبونه [¬٢]؟ " قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم" (¬٤٠٥).
وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرًا (¬٤٠٦)، ورواه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق بأبسط [من هذا] [¬٣] كما تقدم (¬٤٠٧)، والله أعلم.
وروى البيهقي في دلائل النبوة، من حديث عمارة بن غزيَّة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: انهزم الناس في رسول الله ﷺ يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال: "ألا أحد لهؤلاء؟ " فقال: طلحة أنا يا رسول الله؛ فقال: "كما أنت يا طلحة". فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله؛ فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه ثم قتل الأنصاري، فلحقوه، فقال: "ألا رجل لهؤلاء؟ " فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﵌ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، [فقاتل عنه] [¬٤]، وأصحابه يصعدون، ثم قتل، فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، فيقول طلحة: فأنا [¬٥] يا رسول الله، فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة فَغَشَوْهُمَا، فقال رسول الله ﷺ: "من لهؤلاء؟ ". فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله، فقال حسِّ [¬٦]! فقال [رسول الله ﷺ] [¬٧]: "لو قلت بسم الله، أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة، والناس [¬٨] ينظرون إليك، حتى تلج بك [¬٩] في جو السماء". ثم صعد رسول الله، ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون. (¬٤٠٨)
Juz 3, hlm. 218 ›
Pembahasan ayat ini masih 7 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.