وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٥٢﴾
تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
وقال [¬١] الإِمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "أعطيت خمسًا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة [¬٢] شهر، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته، وإني قد [¬٣] اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات [¬٤] لا يشرك باللَّه شيئًا" (¬٣٨٢) تفرد به أحمد.
وروى العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾. قال: قذف اللَّه في قلب أبي سفيان الرعب، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ: "إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع وقذف اللَّه في قلبه الرعب" (¬٣٨٣) رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ قال ابن عباس: وعدهم اللَّه النصر. وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدّمين في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أنّ ذلك كان يوم أحد، لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أوّل النهار للإِسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة. [تأخر الوعد] الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أوّل النهار، ﴿إذ تحسونهم﴾ أي: تقتلونهم، ﴿بإذنه﴾ أي: بتسليطه إياكم عليهم، ﴿حتى إذا فشلتم﴾ وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن ﴿وتنازعتم في الأمر وعصيتم﴾ كما وقع للرماة: ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ وهو الظفر بهم، ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ وهم الذين رغبوا في المغنم، حين رأوا الهزيمة ﴿ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم، ﴿ولقد عفا عنكم﴾ أي: غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك واللَّه أعلم لكثرة عدد العدّو
Juz 3, hlm. 209 ›
وعددهم، وقلة عدد المسلمين [¬١] وعددهم.
قال [¬٢] ابن جريج: قوله: ﴿ولقد عفا عنكم﴾، قال: لم يستأصلكم (¬٣٨٤). وكذا قال محمد بن إسحاق (¬٣٨٥)، رواهما ابن جرير ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾.
وقال الإِمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن [¬٣] عبيد اللَّه، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر اللَّه [النبي ﷺ] [¬٤] في موطن؛ كما نصره [¬٥] يوم أحد. قال: فأنكرنا ذلك فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب اللَّه؛ إن اللَّه يقول في يوم أحد: ﴿ولقد صدقكم اللَّه وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ يقول ابن عباس: [والحس القتل] [¬٦].
﴿حتى إذا فشلتم [وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ إلى قوله: ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾، وإنما عني بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع، وقال: "احموا ظهورنا؛ فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا [¬٧] ".
فلما غنم النبي ﷺ، وأباحوا [¬٨] عسكر المشركين، أكب [¬٩] الرماة جميعًا فدخلوا [¬١٠] في المعسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول اللَّه ﷺ فهم [¬١١] هكذا -وشبك بين يديه- وانتشبوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها؛ دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول اللَّه ﷺ، فضيب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان النصر [¬١٢] لرسول اللَّه ﷺ وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، رجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا- حيث يقول الناس الغار، إنما كان تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد. فلم يُشَك فيه أنه حق، [فلا زلنا] [¬١٣] كذلك ما نشك أنه حق، حتى طلع رسول اللَّه ﷺ بين
Juz 3, hlm. 210 ›
السعدين نعرفه بتكفُّئه [إذا مشى] [¬١] قال: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا قال: فرقي نحونا، وهو يقول: "اشتدّ [¬٢] غضب اللَّه على قوم أدموا [¬٣] وجه رسول اللَّه"، ويقول مرة أخرى: "اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا" حتى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعل هبل مرتين -يعني آلهته- أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر ﵁: يا رسول اللَّه؟ ألا أجيبه؟ قال: "بلى". فلما قال: اعل هبل، قال عمر: اللَّه أعلى أجَلُّ، فقال أبو سفيان: قد أنعمت [عينها فعاد عنها أو: فعال] [¬٤]، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللَّه ﷺ، وهذا أبو بكر، وهانذا عمر، قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، قال: إنكم تزعمون ذلك فقد خبنا [¬٥] وخسرنا إذن. ثم قال [¬٦] أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة [¬٧]، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركَنْه حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه (¬٣٨٦). هذا حديث غريب، وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم يشهد أحدًا ولا أبوه.
وقد خرجه [¬٨] الحاكم في مستدركه، عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد اللَّه بن عباس به. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، والبيهقي في دلائل النبوّة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به؛ ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها - فقال الإِمام أحمد:
[ثنا عفان] [¬٩] حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود؛ قال: إن النساء كنّ يوم أحد خلف المسلمين؛ يجهزن [¬١٠] على جرحى [¬١١] المشركين، فلو
Juz 3, hlm. 211 ›
Pembahasan ayat ini masih 4 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.