الفعل السابق، التقدير: إن تطيعوا... يقع ردّكم على أعقابكم، فانقلابكم. ﴿خاسِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب... إلخ.
﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ (١٥٠)﴾
الشرح: ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ:﴾ وليكم، وناصركم، وحافظكم، فاستعينوا به، ولا تستعينوا بغيره. هذا؛ و (مولى) يطلق في الأصل على الإله المعبود بحقّ، كما هنا، ومن أسماء الله الحسنى: المولى، ويطلق على العبد، والسيد، والأمير، وابن العم، والحليف، والناصر، والمعين، كما في قوله تعالى في سورة (الدّخان): ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. وقال تعالى في سورة (الحج): ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ و «مولى» يكون بمعنى:
المقرّ، والمصير، والاستيلاء. قال تعالى في سورة (الحديد) مخاطبا الكافرين، والمنافقين:
﴿مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ كما يطلق على مولى العتاقة، والمحالفة، وكلّ منهما لا يكون متصل النّسب في القبيلة، ولكنّه لصيق بها، والموالي في نظر العرب من الخسّة، والضّعة بحيث لا يرونهم في مصافهم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ أي: إنه تعالى قادر على نصركم، فكيف تطيعون الكفار، وتسمعون كلام المنافقين؛ وهم عاجزون عن نصر أنفسهم؛ فضلا عن نصرهم غيرهم؟!.
الإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب تبتدأ بعده الجمل، انظر مبحثه في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَوْلاكُمْ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، هذا وقرئ بنصب لفظ الجلالة، على تقدير: بل أطيعوا الله، فيكون: ﴿مَوْلاكُمْ﴾ بدلا منه، أو عطف بيان عليه.
﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ﴾) ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾
خبره، وهو مضاف، و ﴿النّاصِرِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مَوْلاكُمْ﴾ والرابط: الواو، والضمير.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ (١٥١)﴾
الشرح: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ..﴾. إلخ: وذلك: أنّ أبا سفيان، ومن معه ارتحلوا متوجهين إلى مكّة، فلمّا بلغوا بعض الطريق؛ ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا! قتلناهم؛ حتى إذا لم يبق منهم
Juz 2, hlm. 269 ›
إلا الشّريد؛ تركناهم، ارجعوا إليهم، فاستأصلوهم، فلمّا عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرّعب، يعني: الخوف الشديد، كما قال الله تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ حتّى رجعوا عمّا همّوا به، فعلى هذا القول يكون الوعد بإلقاء الرّعب في قلوب الكفار مخصوصا بيوم أحد. وقيل: إنّه عام، وإن كان السبب خاصّا، وقد ثبت في الصّحيحين عن جابر بن عبد الله-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أعطيت خمسا، لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي:
نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا، وأحلّت لي الغنائم، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة».
هذا؛ و ﴿الرُّعْبَ﴾ يقرأ بضم العين، وسكونها. قال عيسى بن عمر-﵀: كلّ اسم ثلاثي يجوز فيه ضم العين، وسكونها، وذلك مثل عسر، ويسر، وحلم... إلخ.
﴿بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ أي: حجّة، وبرهانا. وسمّيت الحجّة:
سلطانا؛ لأن السّلطان مشتقّ من السّليط؛ وهو ما تستصبح به. وقيل: السّلطان: القوّة، والقدرة، وسمّيت الحجّة سلطانا؛ لقوّتها في دفع الباطل. وقال بعض المفسّرين المحقّقين: سمّيت الحجّة سلطانا؛ لأنّ صاحب الحجّة يقهر من لا حجّة له، كالسّلطان بقهر غيره. وقال الزجّاج:
السّلطان: هو الحجّة، وسمّي السّلطان سلطانا؛ لأنّه حجّة الله في أرضه، هذا؛ وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجّة، والبرهان.
هذا؛ والإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام، قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾. وقال في سورة (الشّعراء): ﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾. وقال فيها أيضا: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ﴾ كما قد يستعار للمعاني، كما في هذه الآية، وكقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.
﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ:﴾ مستقرّهم، وملجؤهم النّار، وبئس القرار! ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ:﴾
مأواهم، والفرق بين مأوى، ومثوى: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو مؤقّتا، وقدّم المأوى على المثوى؛ لأنه على التّرتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي. انتهى جمل. والله أعلم بمراده.
الإعراب: ﴿سَنُلْقِي:﴾ السين: حرف استقبال. (نلقي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن. هذا؛ ويقرأ: («سيلقي») على أنّ الفاعل يعود إلى (الله)، وعلى القراءة الأولى يوجد التفات من الغيبة إلى التكلّم، وعلى هذه القراءة لا يوجد التفات. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، و ﴿قُلُوبِ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الرُّعْبَ:﴾ مفعول: (نلقي). ﴿بِما:﴾ الباء: حرف
Juz 2, hlm. 270 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.