وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ﴾ أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة [¬١]، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: في مثل هذا لنرى من [¬٢] يصبر على مناجزة الأعداء، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يعني: يقتلون في سبيله، ويبذلون مهجهم في مرضاته [¬٣]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت [¬٤] لهم ذنوب، وإلا رفع لهم [¬٥] في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به. وقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: فإنهم إذا ظفروا؛ بغوا وبطروا؛ فيكون ذلك سبب دمارِهم وهلاكِهم ومحقِهم وفنائِهم.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد. كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. الآية؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة [¬٦] الأعداء.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: قد كنتم أيها المؤمنون، قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدّو، وتتحرقون عليه، وتودّون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه؛ فدونكم فقاتلوا وصابروا.
وقد [¬٧] ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ؛ قال: "لا تتمنوا لقاء العدّو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموههم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" (¬٣٦٠).
ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ﴾ يعني الموت، شاهدتموه في لمعان السيوف، وحد الأسنة، واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال.