تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
[﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾].
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ أي: لن تكونوا من الأبرار، و (¬١) لن تنالوا البرَّ الكامل حتى تنفقوا مما تحبونه من أموالكم.
ولما نزلت قال أبو طلحة: إنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحَى (¬٢)، وإنها صدقة.
وكان ابن عمر يتصدَّق بالسُّكر؛ ويقول: إني لأُحبُّه.
Juz 1, hlm. 560 ›
﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ الآية؛ إخبارٌ أن الأطعمة كانت حلالًا لبني إسرائيل، إلَّا ما حرَّم أبوهم على نفسه؛ وهو لحم الإبل ولبنها.
ثم حُرّمت عليهم أنواعٌ من الأطعمة كالشُّحوم وغيرها؛ عقوبةً لهم على معاصيهم.
وفيها ردٌّ عليهم في قولهم: إنهم على ملَّة إبراهيم ﵇، وإنَّ الأشياء التي هي محرمةٌ عليهم كانت محرمةً على إبراهيم.
وفيها دليلٌ على جواز النسخ ووقوعه؛ لأنَّ الله حرَّم عليهم تلك الأشياء بعد حِلِّها، خلافًا لليهود في قولهم: إنَّ النسخ محالٌ على الله.
وفيها معجزةٌ للنبي ﷺ؛ لإخباره بذلك من غير تعلُّمٍ من أحدٍ.
وسبب تحريم إسرائيل لحومَ الإبل على نفسه: أنه مرض، فنذر إن شفاه الله أن يُحرِّم أحبَّ الطعام إليه؛ شكرًا لله وتقربًا إليه.
ويؤخذ من ذلك: أنه يجوز للأنبياء أن يحرّموا على أنفسهم باجتهادهم.
﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ تعجيزٌ لليهود، وإقامةُ حجة عليهم.
وروي: أنهم لم يَجسُروا على إخراج التوراة.
﴿فَمَنِ افْتَرَى﴾ أي: مَنْ زَعَم بعد هذا البيان أن الشحم وغيره كان محرَّمًا على بني إسرائيل قبل نزول التوراة فهو الظَّالم المكابر بالباطل.
﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: الأمرُ كما وصف، لا كما تكذبون أنتم؛ ففيه تعريضٌ بكذبهم.
Juz 1, hlm. 561 ›
﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلزامٌ لهم أن يُسْلِموا؛ لما ثبت أنَّ مِلَّة الإسلام هي ملةُ إبراهيم التي لم يحرم فيها شيءٌ مما هو محرَّمٌ عليهم.
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ أي: أول مسجد بُني في الأرض.
وقد سأل أبو ذرّ النبيَّ ﷺ: أيُّ مسجد بني أوَّلُ (¬١)؟ قال: «المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» (¬٢).
وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: المعنى: أنه أول بيت وُضِع مباركًا وهدًى، وقد كانت قبله بيوتٌ.
﴿بِبَكَّةَ﴾ قيل: هي مكة؛ والباء بدل من الميم.
وقيل: مكةُ: الحرم كلُّه، وبكَّةُ: المسجد وما حوله.
﴿مُبَارَكًا﴾ نُصِب على الحال، والعامل فيه:
على قول عليٍّ: ﴿وُضِعَ﴾؛ لأنه حالٌ من الضمير الذي فيه.
وعلى القول الأوَّل: هو حالٌ من الضمير الذي في المجرور، والعامل فيه: العامل في المجرور من معنى الاستقرار.
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ آيات البيت (¬٣) كثيرة:
منها: الحَجَر الذي هو مقام إبراهيم، وهو الذي قام عليه حين رَفع القواعد من البيت، فكان كلَّما طال البناء ارتفع به الحجر في الهواء حتى
Juz 1, hlm. 562 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.