تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
[﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾].
﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي: سعوا فيها بالطعن عليها، وهو من قولك: سعى في الأمر إذا جدَّ (¬١) فيه؛ لقصد إصلاحه أو إفساده.
﴿مُعَاجِزِينَ﴾ بالألف أي: مغالبين؛ كأنهم قصدوا عجز صاحب الآيات، والآيات تقتضي عجزهم، فصارت مفاعلة.
وقرئ بالتشديد من غير ألف؛ ومعناه: أنهم يُعجّزون الناس عن الإسلام؛ أي: يثبّطونهم عنه.
﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ النبيُّ أعم من الرسول، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فقدَّم الرسول؛ لمناسبته لقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وأخَّر النبي؛
Juz 3, hlm. 211 ›
لتحصيل العموم؛ لأنه لو اقتصر على ﴿رَسُولٍ﴾ لم يدخل في ذلك من كان نبيًّا غير رسول.
﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ سبب هذه الآية: أن رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم بالمسجد الحرام بمحضر المشركين والمسلمين، فلما بلغ إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان: «تلك الغرانقة العلى، منها الشفاعة ترتجى»، فسمع ذلك المشركون ففرحوا به، وقالوا: هذا محمد يذكر آلهتنا بما نريد.
واختلف في كيفية إلقاء الشيطان:
فقيل: إن الشيطان هو الذي تكلَّم بذلك، وظن الناس أن النبي ﷺ هو المتكلم به؛ لأنه قرَّب صوته من صوت النبي ﷺ حتى التبس الأمر.
وقيل: إن النبي ﷺ هو الذي تكلم بذلك على وجه الغلط والسهو؛ لأن الشيطان أنساه ووسوس في قلبه، حتى خرجت تلك الكلمات على لسانه من غير قصد.
والقول الثاني أشهر عند المفسرين والناقلين لهذه القصة.
والقول الأول أرجح؛ لأن النبي ﷺ معصوم في التبليغ.
فمعنى الآية: أن كل نبي وكل رسول قد جرى له مثل ذلك من إلقاء الشيطان.
واختلف في معنى ﴿تَمَنَّى﴾ و ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ في هذه الآية:
فقيل: تمنَّى بمعنى: تلا، والأمنيَّة: التلاوة؛ أي: إذا قرأ. . . . . . . .
Juz 3, hlm. 212 ›
الكتاب (¬١) ألقى الشيطان من عنده في تلاوته.
وقيل: هو من التمني؛ بمعنى: حب (¬٢) الشيء.
وهذا المعنى أشهر في اللفظة؛ أي: تمنى النبي ﷺ مقاربة قومه واستئلافهم، فألقى الشيطان ذلك الكلام في هذه الأمنية؛ ليُعجبهم ذلك.
﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله، كقولك: نسخت الشمسُ الظلَّ.
﴿لِيَجْعَلَ﴾ متعلِّقٌ بقوله: ﴿فَيَنْسَخُ﴾ و ﴿يُحْكِمُ﴾.
﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أهل الشك، ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ المكذبون.
وقيل: الذين في قلوبهم مرض: عامة الكفار، ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: أشدُّهم كفرًا وعتوًّا، كأبي جهل.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ يعني بـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾: المذكورين قبلُ، ولكنه جعل الظاهر موضع المضمر؛ ليقضي عليهم بالظلم.
والشِّقاق: العداوة، ووصفه بـ ﴿بَعِيدٍ﴾؛ لأنه في غاية الضلال والبعد عن الخير.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قيل: يعني الصحابة.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الضمير عائد على القرآن.
Juz 3, hlm. 213 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.